الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

57

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

يذهب بكل الحواجز وأستار التقليد والتعصب اللاصقة على صفاء الفطرة الإنسانية ، لينكشف نور الفطرة الذي هو نور التوحيد والإيمان والعبودية لله دون غيره . نعم في هذه اللحظات ، في لحظات الضر ينقطع الإنسان عن جميع المعبودات التصورية والوهمية والخيالية التي سبق وأن أعطاها قوة بسبب أوهامه ، وتمحى من ذهنه فاعليتها ووجودها وتتلاشى وتذوب تماما كما يذوب الجليد في شمس الصيف ولا يبقى حين ذاك سوى نور الأنوار . . . نور الله جل جلاله . إن الآية تعبر عن قانون عام ، عرفه كل من جرب ذلك ، حيث تؤدي المشاكل والصعوبات الحادة التي يمر بها الإنسان - ويصل السكين العظم - إلى الغاء كل الأسباب الظاهرية التي كان يتعلق بها الإنسان ، وتنعدم فاعلية العلل المادية التي كان يتشبث بها ، وتنقطع كل الأسباب ، إلا السبب الذي يصل الإنسان بمصدر العلم والقدرة المطلقتين ، والذي هو - لوحده سبحانه وتعالى - قادر على حال أعقد المشكلات . . . ليس مهما هنا ما الذي نسمي فيه هذه الحالة ، وإنما المهم أن نعلم أن قلب الإنسان في هذه الحالة ينفتح على الأمل بالخلاص ، وتغمر القلب بنور خاص لطيف . وهذه المنعطفات هي واحدة من أقرب الطرق إلى الله ، إنها طريق ينبع من داخل الروح ومن سويداء القلب . ( 1 ) ثم تضيف الآية : فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا . مرة أخرى تغطي حجب الغرور والغفلة والتعصب هذا النور الإلهي ، ويغطي غبار العصيان والذنوب وملاهي الحياة المادية فطرة الإنسان ووجدانه . ولكن هل تظنون أن الله لا يستطيع أن ينزل بكم عقابه الشديد وأنتم على

--> 1 - طالع الشرح الكامل للتوحيد الفطري في كتاب ( خالق العالم ) ، ولا حظه أيضا في نهاية الآية ( 14 ) من سورة النحل حيث أشرنا إلى هذه المسألة .