الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

494

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

الظالمين الجائرين بلال وسلمان ، وعمار ، وخباب ، وسمية ، وأمثالهم مصاديق بارزة لهؤلاء المؤمنين المظلومين . ولما كان المعيار في المجتمع الجاهلي في ذلك الزمان - وكذا في كل مجتمع جاهلي آخر - هو الذهب والزينة والمال والمقام والمنصب والهيئة الظاهرية ، فكان الأثرياء الظالمون ، كالنضر بن الحارث وأمثاله يفتخرون على المؤمنين الفقراء بذلك ويقولون : إن علامة شخصيتنا معنا ، وعلامة عدم شخصيتكم فقركم ومحروميتكم ، وهذا بنفسه دليل على أحقيتنا وباطلكم ! كما يقول القرآن الكريم في أول آية من الآيات مورد البحث : وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا . خاصة وأننا نقرأ في الروايات الإسلامية أن هؤلاء الأشراف المترفين كانوا يلبسون أجمل ملابسهم ، ويتزينون بأبهى زينة ، ويتبخترون أمام أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وكانوا ينظرون إليهم نظرة تحقير واستهزاء . . نعم ، هذه طريقة هذه الطبقة في كل عصر وزمان . " الندي " أخذت في الأصل من ( الندى ) أي الرطوبة ، ثم جاءت بمعنى الأفراد الفصحاء والخطباء ، لأن أحد شروط القدرة على التكلم امتلاك القدر الكافي من اللعاب ، ولذلك فإن ( ندي ) تعني المجالسة والتحدث ، بل يقال للمجلس الذي يجتمعون فيه للأنس والسمر ، أو يجلسون فيه للتشاور : نادي ، ومن هذا أخذت ( دار الندوة ) وهي المحل الذي كان في مكة ، وكان يجتمع فيه زعماؤها للتشاور . وقد يعبر عن السخاء والبذل والعطاء ب‍ ( الندى ) ( 1 ) وهذه الآية يمكن أن تكون إشارة إلى كل هذه المعاني ، أي : إن مجلس أنسنا أجمل من مجلسكم ، وإن مالنا وثروتنا وزينتنا ولباسنا أبهى وأروع ، وإن كلامنا وأشعارنا الفصيحة والبليغة

--> 1 - مفردات الراغب ، مادة ( ندى ) .