الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
490
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
الظالمين فيها . وقد استدل هؤلاء لدعم هذا التفسير بالآية ( 23 ) من سورة القصص : ولما ورد ماء مدين . . . حيث أن للورود هنا نفس المعنى . والتفسير الثاني الذي اختاره أكثر المفسرين ، هو أن الورود هنا بمعنى الدخول ، وعلى هذا الأساس فإن كل الناس بدون استثناء - محسنهم ومسيؤهم - يدخلون جهنم ، إلا أنها سيكون بردا وسلاما على المحسنين ، كحال نار نمرود على إبراهيم يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم ، لأن النار ليست من سنخ هؤلاء الصالحين ، فقد تفر منهم وتبتعد عنهم ، إلا أنها تناسب الجهنميين فهم بالنسبة للجحيم كالمادة القابلة للاشتعال ، فما أن تمسهم النار حتى يشتعلوا . وبغض النظر عن فلسفة هذا العمل ، والتي سنشرحها فيما بعد - إن شاء الله تعالى - فإن مما لا شك في أن ظاهر الآية يلائم وينسجم مع التفسير الثاني ، لأن المعنى الأصلي للورود هو الدخول ، وغيره يحتاج إلى قرينة . إضافة إلى أن جملة ثم ننجي الذين اتقوا وكذلك جملة ونذر الظالمين فيها كلتاهما شاهدتان على هذا المعنى . علاوة على الروايات المتعددة الواصلة إلينا في تفسير الآية التي تؤيد هذا المعنى ، ومن جملتها : روي عن جابر بن عبد الله الأنصاري أن رجلا سأله عن هذه الآية ، فأشار جابر بإصبعيه إلى أذنيه وقال : صمتا إن لم أكن سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يقول : " الورود الدخول ، لا يبقى بر ولا فاجر إلا يدخلها ، فتكون على المؤمنين بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم ، حتى أن للنار - أو قال لجهنم - ضجيجا من بردها ، ثم ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثيا " ( 1 ) . وفي حديث آخر عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " تقول النار للمؤمن يوم القيامة : جز يا مؤمن ، فقد أطفأ نورك لهبي " ( 2 ) !
--> 1 - نور الثقلين ، الجزء 3 ، ص 353 . 2 - المصدر السابق .