الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
48
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
الواقع - إلى أن الشيطان يعتبر نموذجا كاملا للاستكبار والكفر والعصيان . ثم انظروا إلى أين وصلت عاقبته ، لذا فإن من يتبعه سيصير إلى نفس العاقبة . إضافة إلى ذلك ، فإن إصرار الضالين عميان القلوب على مخالفة الحق ، لا يعتبر مدعاة للعجب والدهشة ، لأن الشيطان استطاع - وفقا لما يستفاد من هذه الآيات - أن يغويهم بواسطة عدة طرق ، وفي الواقع حقق فيهم قولته لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين . الآية تقول : وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس . لقد قلنا سابقا في نهاية الآيات الخاصة بخلق آدم ( عليه السلام ) : إن هذه السجدة التي أمر الله تعالى بها هي في الحقيقة نوع من الخضوع والتواضع بسبب عظمة خلق آدم ( عليه السلام ) وتميزه عن سائر الموجودات ، أو هي سجود للخالق جل وعلا في قبال خلقه لهذا المخلوق المتميز . وقلنا هناك أيضا : إن إبليس وبرغم ذكره هنا - استثناءا - مع الملائكة ، إلا أنه - بشهادة القرآن - لم يكن من الملائكة ، بل كان مخلوقا ماديا ومن الجن ، وقد أصبح في صف الملائكة بسبب عبادته لله . على كل حال ، فقد سيطر الكبر والغرور على إبليس وتحكمت الأنانية في عقله ، ظنا منه بأن التراب والطين اللذان يعتبران مصدرا لكل الخيرات ومنبعا للحياة أقل شأنا وأهمية عن النار ، لذا اعترض على الخالق جل وعلا وقال : قال أأسجد لمن خلقت طينا . ولكنه عندما طرد - إلى الأبد - من حضرة الساحة الإلهية بسبب استكباره وطغيان في مقابل أمر الله له ، قال : قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتني إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا . ( 1 )
--> 1 - ذهب المفسرين إلى إن حرف الكاف في كلمة ( أرأيتك ) زائد ، أو هو حرف للخطاب وقد جاء للتأكيد ، وجملة ( أرأيتك ) بمعنى ( أخبرني ) جوابها محذوف وتقديرها ( أخبرني عن هذا الذي كرمته علي ، لم كرمته علي وقد خلقتني من نار ؟ ) . ولكن هناك احتمال آخر ، وهو أن ( أرأيت ) هي في نفس معناها الأصلي ولا يوجد محذوف في الجملة ، وبشكل عام تعطي هذا المعنى : هل لاحظت هذا الموجود الذي فضلته علي ، فإذا أبقيتني على قيد الحياة سترى بأني سأضل أكثر أبنائه . ( احتمال الثاني أوفق في تركيب الآية ومعناها ) .