الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
476
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
ثم تتحدث الآيات عن جماعة انفصلوا عن دين الأنبياء المربي للإنسان ، وكانوا خلفا سيئا لم ينفذوا ما أريد منهم ، وتعدد الآية قسما من أعمالهم القبيحة ، فتقول : فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا . ( خلف ) بمعنى الأولاد الطالحين ، و ( خلف ) بمعنى الأولاد الصالحين . وهذه الجملة قد تكون إشارة إلى جماعة من بني إسرائيل ساروا في طريق الضلال ، فنسوا الله ، ورجحوا اتباع الشهوات على ذكر الله ، وملؤوا الدنيا فسادا ، وأخيرا ذاقوا وبال أعمالهم السيئة في الدنيا ، وسيذوقونه في الآخرة أيضا . واحتمل المفسرون احتمالات عديدة في أن المراد من ( إضاعة الصلاة ) هنا هل هو ترك الصلاة ، أم تأخيرها عن وقتها ، أم القيام بأعمال تضيع الصلاة في المجتمع ؟ إن المعنى الأخير - كما يبدو - هو الأصح . لماذا كان التأكيد على الصلاة - هنا - من بين كل العبادات ؟ قد يكون السبب أن الصلاة - كما نعلم - سد يحول بين الإنسان والمعاصي ، فإذا كسر هذا السد فإن الغرق في الشهوات هو النتيجة القطعية لذلك ، وبتعبير آخر ، فكما أن الأنبياء يبدؤون في ارتقاء مراتبهم ومقاماتهم من ذكر الله ، وعندما كانت تتلى عليهم آيات الله كانوا يخرون سجدا ويبكون ، فإن هذا الخلف الطالح بدأ انحرافهم وسقوطهم من نسيانهم ذكر الله . ولما كان منهج القرآن في كل موضع هو فتح أبواب الرجوع إلى الإيمان والحق دائما ، فإنه يقول هنا أيضا بعد ذكر مصير الأجيال المنحرفة : إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا ، وعلى هذا فلا يعني أن الإنسان إذا غاص يوما في الشهوات فسيكتب على جبينه اليأس من رحمة الله ، بل إن طريق التوبة والرجوع مفتوح ما بقي نفس يتردد في صدر الإنسان ، وما دام الإنسان على قيد الحياة . * * *