الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
464
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
الموهبة العظيمة - حيث وهبه ولدا كإسحاق ، وحفيدا كيعقوب ، وكل منهما كان نبيا سامي المقام - كانت نتيجة صبر إبراهيم ( عليه السلام ) واستقامته التي أظهرها في طريق محاربة الأصنام ، واعتزال المنهج الباطل والابتعاد عنه . وإضافة إلى ذلك ووهبنا لهم من رحمتنا تلك الرحمة الخاصة بالمخلصين والمخلصين ، والرجال المجاهدين في سبيل الله . وأخيرا وجعلنا لهم لسان صدق عليا . إن هذا في الحقيقة إجابة لطلب ودعاء إبراهيم الذي جاء في الآية ( 84 ) من سورة الشعراء : واجعل لي لسان صدق في الآخرين فإن أولئك كانوا يريدون طرد وإبعاد إبراهيم وأسرته من المجتمع الإنساني ، بحيث لا يبقى لهم أي أثر أو خبر ، وينسون إلى الأبد . إلا أن الذي حدث بالعكس ، فإن الله سبحانه قد رفع ذكرهم نتيجة إيثارهم وتضحيتهم واستقامتهم في أداء الرسالة التي كانت ملقاة على عاتقهم ، وجعل أسماءهم تجري على ألسنة شعوب العالم ، ويعرفون كأسوة ونموذج في معرفة الله والجهاد والطهارة والتقوى والمقارعة للباطل . إن " اللسان " في مثل هذه الموارد يعني الذكر الذي يذكر به الإنسان بين الناس ، وعندما نضيف إليه كلمة صدق ، ونقول : " لسان صدق " فإنه يعني الذكر الحسن والذكرى الطيبة بين الناس ، وإذا ما ضممنا إليها " عليا " التي تعني العالي والبارز ، فإنها ستعني الذكرى الجميلة جدا التي تبقى بين الناس عن شخص ما . ومن المعلوم أن إبراهيم لا يريد بهذا الطلب أن يحقق أمنية في قلبه ، بل كان هدفه أن لا يستطيع الأعداء أن يجعلوا تاريخ حياته ، الذي كان تربويا خارقا للعادة ، في بوتقة النسيان ، وأن يمحوا ذكره من الأذهان إلى الأبد ، وهو الأنموذج والأسوة الدائمة للبشرية . ونقرأ في رواية عن أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) : " لسان الصدق للمرء يجعله الله