الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

433

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

لقد خطرت في ذهن مريم في اللحظات الأولى هذه الأفكار ، وتصورت بأن كل وجودها وكيانها وماء وجهها مهدد بالخطر أمام هؤلاء الناس الجهلاء نتيجة ولادة هذا المولود ، وفي هذه اللحظات تمنت الموت ، وهذا بحد ذاته دليل على أنها كانت تحب عفتها وطهارتها وتهتم بهما أكثر من روحها ، وتعتبر حفظ ماء وجهها أغلى من حياتها . إلا أن مثل هذه الأفكار ربما لم تدم إلا لحظات قصيرة جدا ، ولما رأت ذينك المعجزتين الإلهيتين - انبعاث عين الماء ، وحمل النخلة اليابسة - زالت كل تلك الأفكار عن روحها ، وغمر قلبها نور الاطمئنان الهدوء . 3 3 - سؤال وجواب يسأل البعض : إن المعجزة إذا كانت مختصة بالأنبياء والأئمة ( عليهم السلام ) ، فكيف ظهرت مثل هذه المعجزات لمريم ؟ وقد اعتبر بعض المفسرين - حلا لهذا الإشكال - هذه المعاجز جزءا من معاجز عيسى تحققت كمقدمة ، ويعبرون عن ذلك بالإرهاص . إلا أنه لا حاجة لجواب كهذا أبدا ، لأنه لا مانع مطلقا من ظهور الأمور الخارقة للعادة لغير الأنبياء والأئمة ، وهذا هو الذي نسميه بالكرامة . إن المعجزة هي عمل يقترن بالتحدي ، وتكون مقترنة بادعاء النبوة والإمامة . 3 4 - صوم الصمت يدل ظاهر الآيات أعلاه على أن مريم كانت مأمورة بالسكوت لمصلحة ، وأن تمتنع عن الكلام بأمر الله في هذه المدة المعينة ، حيت تتحرك شفتا وليدها عيسى بالكلام ويدافع عن عفتها ، وهذا أكثر تأثيرا من كل الجهات . ويظهر من تعبير الآية أن نذر السكوت كان أمرا معروفا في ذلك المجتمع ،