الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
424
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
وإن كان الوصول إلى مقام النبوة وبلوغ العقل الكامل - في مرحلة الطفولة - باعثا على الحيرة ومعجزا ، فإن التحدث في المهد عن الكتاب والنبوة أبعث على التعجب والحيرة ، وأكثر إعجازا . وعلى كل حال ، فإن كلا الأمرين آيتان على قدرة الله الكبير المتعال ، إحداهما أكبر من الأخرى ، وقد صادف أن تكون كلا الآيتين مرتبطتان بشخصين تربطهما أواصر نسب قوية ، فكل منهما قريب للآخر من ناحية النسب ، حيث أن أم يحيى كانت أخت أم مريم ، وكانت كلاهما عقيمتين وتعيشان أمل الولد الصالح . تقول الآية الأولى : واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا فقد كانت تبحث عن مكان خال من كل نوع من التشويش والضوضاء حتى لا يشغلها شئ عن مناجاتها ويصرفها - ولو حينا - عن ذكر المحبوب ، ولذلك اختارت شرقي بيت المقدس ، ذلك المعبد الكبير ، لعله يكون مكانا أكثر هدوءا ، أو أنه كان أنظف وأنسب من جهة أشعة الشمس ونورها . كلمة " انتبذت " أخذت من مادة ( نبذ ) على قول الراغب ، وهي تعني إلقاء وإبعاد الأشياء التي لا تسترعي الانتباه ، وربما كان هذا التعبير في الآية إشارة إلى أن مريم قد اعتزلت بصورة متواضعة ومجهولة وخالية من كل ما يجلب الانتباه ، واختارت ذلك المكان من بيت الله للعبادة . في هذه الأثناء من أجل أن تكمل مريم مكان خلوتها واعتكافها من كل جهة ، فإنها فاتخذت من دونهم حجابا ولم تصرح الآية بالهدف من اتخاذ هذا الحجاب ، فهل أنه كان من أجل أن تناجي ربها بحرية أكبر ، وتستطيع عند خلو هذا المكان من كل ما يشغل القلب والحواس أن تتوجه إلى العبادة والدعاء ؟ أو أنها كانت تريد اتخاذه من أجل الغسل والاغتسال ؟ الآية ساكتة من هذه الجهة . على كل حال ، فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا والروح أحد