الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

411

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

مثلك ، وامرأة عقيم ظاهرا وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا ، فإن الله قادر على أن يخلق كل شئ من العدم ، فلا عجب أن يتلطف عليك بولد في هذا السن وفي هذه الظروف . ولا شك أن المبشر والمتكلم في الآية الأولى هو الله سبحانه ، إلا أن البحث في أنه هو المتكلم في الآية الثالثة : قال كذلك قال ربك هو علي هين . ذهب البعض بأن المتكلم هم الملائكة الذين كانوا واسطة لتبشير زكريا ، والآية ( 39 ) من سورة آل عمران يمكن أن تكون شاهدا على ذلك : فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب إن الله يبشرك بيحيى . لكن الظاهر هو أن المتكلم في كل هذه الأحوال هو الله سبحانه ، ولا دليل - أو سبب - يدفعنا إلى تغييره عن ظاهره ، وإذا كانت الملائكة وسائط لنقل البشارة ، فلا مانع - أبدا - من أن ينسب الله أصل هذا الإعلان والبشارة إلى نفسه ، خاصة وأننا نقرأ في الآية ( 40 ) من سورة آل عمران : قال كذلك الله يفعل ما يشاء . وقد سر زكريا وفرح كثيرا لدى سماعه هذه البشارة ، وغمر نفسه نور الأمل ، لكن لما كان هذا النداء بالنسبة إليه مصيريا ومهما جدا ، فإنه طلب من ربه آية على هذا العمل : قال رب اجعل لي آية . لا شك أن زكريا كان مؤمنا بوعد الله ، وكان مطمئنا لذلك ، إلا أنه لزيادة الاطمئنان - كما أن إبراهيم الذي كان مؤمنا بالمعاد طلب مشاهدة صورة وكيفية المعاد في هذه الحياة ليطمئن قلبه - طلب من ربه مثل هذه العلامة والآية ، فخاطبه الله : قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا واشغل لسانك بذكر الله ومناجاته . لكن ، أية آية عجيبة هذه ! آية تنسجم من جهة مع حال مناجاته ودعائه ، ومن جهة أخرى فإنها تعزله عن جميع الخلائق وتقطعه إلى الله حتى يشكر الله