الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
378
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
فالآيات تكشف أولا عن أخسر الناس ، ولكنها - بهدف إثارة حب الاستطلاع لدى المستمع إزاء هذه القضية - تعمد إلى إثارتها على شكل سؤال موجه إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فتقول : قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا . ثم يأتي الجواب بدون أي توقف حتى لا يبقى المستمع في حيرة ، فتقول : الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا . مفهوم الخسران لا ينطبق على خسران الأرباح وحسب ، بل إن الخسران الواقعي هو خسران أصل رأس المال ، وهل هناك رأس مال أربح وأفضل وأحسن من العقل والذكاء والطاقات الإلهية الموهوبة للإنسان من عمر وشباب وصحة ؟ إن نتاج كل هذه المواهب هي أعمال الإنسان ، وأعمال الإنسان هي في الواقع انعكاس وتجسيد لطاقاتنا وقدراتنا . عندما تتحول هذه الطاقات إلى أعمال مخربة أو غير هادفة ، فكأنها قد فنيت أو ضاعت ، فهي كمثل الإنسان الذي يحمل ثروة عظيمة معه ، ولكنه أثناء ذهابه إلى السوق يفقد هذه الثروة ويعود بيد خالية . وقد لا يكون الخسران خسرانا خطيرا عندما يتعلم الإنسان من فقدان الثروة دروسا كبيرة قد تكون في قيمتها مساويه للثروة التي فقدها ، أو أكثر قيمة منها في بعض الأحيان ، فكأنه لم يخسر شيئا . إلا أن الخسران الحقيقي والمضاعف هو أن يفقد الإنسان رأسماله المادي والمعنوي في مسالك خاطئة ومجالات منحرفة ويظن أنه أحسن العمل ، فهو في هذه الحالة لم يحصل على ثمرة لعمله ، وفي نفس الوقت لم يلتفت إلى ما هو فيه ، فيكرر العمل . الجميل هنا ، إن القرآن الكريم استخدم تعبير الأخسرين أعمالا في حين أن المفروض هو القول : " الأخسرين عملا " ( لأن التمييز مفرد عادة ) ولكن لعل