الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

361

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

يتعامل مع كل مجموعة بما يناسب حياتها الخاصة ، وبذلك كان الجميع منضوين تحت لوائه . 6 - إن " ذو القرنين " لم يستبعد حتى تلك المجموعة التي لم تكن تفهم الكلام ، أو كما وصفهم القرآن : لا يكادون يفقهون قولا بل إنه استمع إلى مشاكلهم ، ودأب على رفع احتياجاتهم بأي أسلوب كان ، وبنى لهم سدا محكما بينهم وبين أعدائهم اللدودين ( يأجوج ومأجوج ) وقد قام بإنجاز أمورهم بدون أن يفرق بينهم ( رغم أنه كان يظهر أن مثل هؤلاء الناس عديمي الفهم لا ينفعون الحكومة بأي شئ ) . وفي حديث عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) نقرأ قوله : " إسماع الأصم من غير تصعر صدقة هنيئة " ( 1 ) . 7 - الأمن هو أول وأهم شرط من شروط الحياة الاجتماعية السالمة ، لهذا السبب تحمل " ذو القرنين " أصعب الأعمال وأشقها لتأمين أمن القوم من أعدائهم ، وقد استفاد من أقوى السدود وأمنعها الذي أصبح مضرب الأمثال في التأريخ ورمزا للاستحكام والدوام والبقاء ، حيث يقال لبناء القوي " إنه مثل سد الإسكندر " بالرغم من أن " ذو القرنين " غير الإسكندر . وعادة لا يسعد المجتمع من دون قطع الطريق على المفسدين ، ولهذا فإن أول شئ طلبه إبراهيم ( عليه السلام ) عند بناء الكعبة هو الأمن : رب اجعل هذا البلد آمنا ( 2 ) . ولهذا السبب أيضا فإن الفقه الإسلامي وضع أقسى العقوبات للذين يعرضون أمن المجتمع إلى الخطر ( راجع في ذلك تفسير الآية ( 33 ) من سورة المائدة ) .

--> 1 - سفينة البحار ، ج 2 ، مادة " صمم " . 2 - سورة إبراهيم ، 35 .