الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
351
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
ولأن " السين " في ( سأتلوا ) تستخدم عادة للمستقبل القريب ، والرسول هنا يتحدث مباشرة إليهم عن ذي القرنين ، فمن المحتمل أن يكون ذلك منه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) احتراما ومراعاة للأدب ، الأدب الممزوج بالهدوء والتروي ، الأدب الذي يعني استلهامه للعلم من الله تبارك وتعالى ، ونقله إلى الناس . إن بداية الآية تبين لنا أن قصة " ذو القرنين " كانت متداولة ومعروفة بين الناس ، ولكنها كانت محاطة بالغموض والإبهام ، لهذا السبب طالبوا الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الإدلاء حولها بالتوضيحات اللازمة . وفي استئناف الحديث عن ذي القرنين يقول تعالى : إنا مكنا له في الأرض . أي منحناه سبل القوة والقدرة والحكم . وآتيناه من كل شئ سببا . بالرغم من أن مفهوم ( السبب ) يعني الحبل المستخدم في تسلق النخيل ، الا أن بعض المفسرين يحصره في الوسائل المستخدمة في إنجاز الأعمال ، إلا أن الواضح من مفهوم الآية أن الكلمة المذكورة يراد منها معناها ومفهومها الواسع ، حيث أن الله تبارك وتعالى منح " ذو القرنين " أسباب الوصول لكل الأشياء : العقل ، العلم الكافي ، الإدارة السليمة ، القوة والقدرة ، الجيوش والقوى البشرية ، بالإضافة إلى الإمكانات المادية . أي إنه منح كل الأسباب والسبل المادية والمعنوية الكفيلة بتحقيق الأهداف المنشودة . ثم يشير القرآن بعد ذلك إلى استفادة ذي القرنين من هذه الأسباب والسبل فيقول : فأتبع سببا . ثم حتى إذا بلغ مغرب الشمس . فرأي أنها تغرب في بحر غامق أو عين ذات ماء آجن : وجدها تغرب في عين حمئة ( 1 ) .
--> 1 - ( حمئة ) تعني في الأصل الطين الأسود ذا الرائحة الكريهة ، أو الماء الآسن الموجود في المستنقعات . وهذا الوصف يبين لنا بأن الأرض التي بلغها " ذو القرنين " كانت مليئة بالمستنقعات ، بشكل كان ذو القرنين يشعر معه بأن الشمس كانت تغرب في هذه المستنقعات ، تماما كما يشعر بذلك مسافر البحر ، وسكان السواحل الذين يشعرون بأن الشمس قد غابت في البحر أو خرجت منه ! .