الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
344
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
هذه الحقيقة في قوله تعالى : عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ( 1 ) . إن المستفاد من هذه القضية أن لا يصاب الإنسان باليأس عندما تهجم عليه الحوادث ، وفي هذا الصدد نقرأ في حديث طريف ينقله عبد الله بن المحدث والفقيه المعروف زرارة بن أعين ، ويقول فيه عبد الله : قال لي أبو عبد الله ( عليه السلام ) : " اقرأ مني على والدك السلام ، وقل له : إني إنما أعيبك دفاعا مني عنك ، فإن الناس والعدو يسارعون إلى كل من قربناه وحمدنا مكانه لإدخال الأذى في من نحبه ونقربه ، ويرمونه لمحبتنا له وقربه ودنوه منا ، ويرون إدخال الأذى عليه وقتله ويحمدون كل من عبناه نحن ، فإنما أعيبك لأنك رجل اشتهرت منا ، وبميلك إلينا ، وأنت في ذلك مذموم عند الناس غير محمود الأثر بمودتك لنا ولميلك إلينا ، فأحببت أن أعيبك ليحمدوا أمرك في الدين بعيبك ونقصك ، ويكون بذلك منا دافع شرهم عنك . يقول الله عز وجل : أما السفينة لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا هذا التنزيل من عند الله ، صالحة ، لا والله ما عابها إلا لكي تسلم من الملك ، ولا تعطب على يديه ، ولقد كانت صالحة ليس للعيب فيها مساغ والحمد لله ، فافهم المثل يرحمك الله ، فإنك والله أحب الناس إلي ، وأحب أصحاب أبي حيا وميتا . فإنك أفضل سفن ذلك البحر القمقام الزاخر ، وإن من ورائك ملكا ظلوما غصوبا يرقب عبور كل سفينة صالحة ترد بحر الهدى ليأخذها غصبا ، ثم يغصبها وأهلها ورحمة الله عليك حيا ورحمته ورضوانه عليك ميتا " ( 2 ) . و : من دروس القصة الاعتراف بالحقائق واتخاذ المواقف المطابقة لها ، فعندما تخلف موسى ثلاث مرات عن الوفاء بالتزامه لصاحبه العالم ، عرف أنه
--> 1 - البقرة ، 216 . 2 - معجم رجال الحديث ، ج 7 ، ص 226 .