الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

325

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

قوله في وصف أهل هذه المدينة : " كانوا أهل قرية لئام " ( 1 ) . ثم يضيف القرآن : فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه ( 2 ) وقد كان موسى ( عليه السلام ) يشعر بالتعب والجوع ، والأهم من ذلك أنه كان يشعر بأن كرامته وكرامة أستاذه قد أهينت من أهل هذه القرية التي أبت أن نضيفهما ، ومن جانب آخر شاهد كيف أن الخضر قام بترميم الجدار بالرغم من سلوك أهل القرية القبيح إزاءهما ، وكأنه بذلك أراد أن يجازي أهل القرية بفعالهم السيئة ، وكان موسى يعتقد بأن على صاحبه أن يطالب بالأجر على هذا العمل حتى يستطيعا أن يعدا طعاما لهما . لذا فقد نسي موسى ( عليه السلام ) عهده مرة أخرى وبدأ بالاعتراض ، إلا أن اعتراضه هذه المرة بدا خفيفا فقال : قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا . وفي الواقع فإن موسى يعتقد بأن قيام الإنسان بالتضحية في سبيل أناس سيئين عمل مجاف لروح العدالة ، بعبارة أخرى : إن الجميل جيد وحسن ، بشرط أن يكون في محله . صحيح أن الجزاء الجميل في مقابل العمل القبيح هو من صفات الناس الإلهيين ، إلا أن ذلك ينبغي أن لا يكون سببا في دفع المسيئين للقيام بالمزيد من الأعمال السيئة . وهنا قال الرجل العالم كلامه الأخير لموسى ، بأنك ومن خلال حوادث مختلفة ، لا تستطيع معي صبرا ، لذلك قرر العالم قراره الأخير : قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا . موسى ( عليه السلام ) لم يعترض على القرار - طبعا - لأنه هو الذي كان قد اقترحه عند

--> 1 - مجمع البيان في تفسير الآية . 2 - إن نسبة ( الإرادة " إلى الجدار هو استخدام مجازي ، ومفهوم ذلك أن الجدار كان ضعيفا للغاية وهو على مشارف الانهيار .