الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

319

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

بمعرفة البواطن ، وبالتالي لم يكن يعرف عنها الكثير ، وفي مثل هذه الموارد يحدث كثيرا أن يكون ظاهر الحوادث يختلف تمام الاختلاف عن باطنها ، فقد يكون الظاهر قبيحا أو غير هادف في حين أن الباطن مفيد ومقدس وهادف لأقصى غاية . في مثل هذه الحالة يفقد الشخص الذي ينظر إلى الظاهر صبره وتماسكه فيقوم بالاعتراض وحتى بالتشاجر . ولكن الأستاذ العالم والخبير بالأسرار بقي ينظر إلى بواطن الأعمال ، واستمر بعمله ببرود ، ولم يعر أي أهمية إلى اعتراضات موسى وصيحاته ، بل كان في انتظار الفرصة المناسبة ليكشف عن حقيقة الأمر ، إلا أن التلميذ كان مستمرا في الإلحاح ، ولكنه ندم حين توضحت وانكشفت له الأسرار . وقد يكون موسى ( عليه السلام ) اضطرب عندما سمع هذا الكلام وخشي أن يحرم من فيض هذا العالم الكبير ، لذا فقد تعهد بأن يصبر على جميع الحوادث وقال : قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا . مرة أخرى كشف موسى ( عليه السلام ) عن قمة أدبه في هذه العبارة ، فقد اعتمد على خالقه حيث لم يقل للرجل العالم : إني صابر ، بل قال : إن شاء الله ستجدني صابرا . ولأن الصبر على حوادث غريبة وسيئة في الظاهر والتي لا يعرف الإنسان أسرارها ، ليس بالأمر إلهين ، لذا فقد طلب الرجل العالم من موسى ( عليه السلام ) أن يتعهد له مرة أخرى ، وحذره : قال فإن اتبعتني فلا تسئلني عن شئ حتى أحدث لك منه ذكرا ( 1 ) . وقد أعطى موسى العهد مجددا وانطلق مع العالم الأستاذ . * * *

--> 1 - إن عبارة أحدث لك منه ذكرا يكون مفهومها بعد الأخذ بنظر الاعتبار كلمة ( أحدث ) هو : إني أنا الذي أبدأ بالكلام وأكشف للمرة الأولى ، أما أنت فلا تتكلم .