الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

296

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

بعبارة أخرى نقول : إن للحادثة المهمة عدة أبعاد ، وفي كل مرة تذكر فيها يتجلى واحد من أبعادها . ولأن الآيات السابقة ذكرت مثالا واقعيا عن كيفية وقوف الأثرياء المستكبرين والمغرورين في مقابل الفقراء المستضعفين وتجسد عاقبة عملهم ، ولأن الغرور كان هو السبب الأصلي لانحراف هؤلاء وانجرارهم إلى الكفر والطغيان ، لذا فإن الآيات تعطف الكلام على قصة إبليس وكيف أبى السجود لآدم غرورا منه وعلوا ، وكيف قاده هذا الغرور والعلو إلى الكفر والطغيان . إضافة إلى ذلك ، فإن هذه القصة توضح أن الانحرافات تنبع من وساوس الشيطان ، كم تكشف أن الاستسلام إلى وساوس الشيطان الذي أصر على عناده وعداوته للحق تعالى يعد غاية الجنون والحمق . في البداية تقول الآيات : تذكروا ذلك اليوم الذي فيه : وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس . هذا الاستثناء يمكن أن يوهمنا بأن إبليس كان من جنس الملائكة ، في حين أن الملائكة معصومون ، فكيف سلك إبليس - إذا - طريق الطغيان والكفر إذا كان من جملتهم ؟ لذلك فإن الآيات - منعا لهذا الوهم - تقول مباشرة إنه : كان من الجن ففسق عن أمر ربه . إنه إذا لم يكن من الملائكة ، لكنه - بسبب عبوديته وطاعته للخالق جل وعلا - قرب وكان في صف الملائكة ، بل وكان معلما لهم ، إلا أنه - بسبب لحظة من الغرور والكبر - سقط سقوطا بحيث أنه فقد معه كل ملاكاته المعنوية ، وأصبح أكثر الموجودات نفرة وابتعادا عن الله تبارك وتعالى . ثم تقول الآية : أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني . والعجب أنهم : وهم لكم عدو . وهذا العدو ، هو عدو صعب مصمم على ضلالكم وأن يوردكم سوء العاقبة ،