الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

262

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

( الأغناء المترفين ) وتقريبه للمجموعة الثانية ( الفقراء المؤمنين ) شكل مجتمعا توحيديا بمعنى الكلمة ، مجتمعا تفجرت فيه الطاقات الكامنة ، وأصبحت فيه معايير الشخصية والقيم والنبوغ ، هي التقوى والعلم والإيمان والجهاد والعمل الصالح . واليوم ما لم نسع لبناء مثل هذا المجتمع والاقتداء بالنموذج الإسلامي الذي شيده رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في عهده ، وبدون نبذ الفكر الطبقي من العقول عن طريق التعليم والتربية وتدوين القوانين الصحيحة والسهر على تنفيذها بدقة - بالرغم من رفض الاستكبار العالمي وتعويقه لذلك - فسوف لن نملك مجتمعا إنسانيا سليما أبدا . 3 2 - المقارنة بين الحياة في هذا العالم وعالم الآخرة : لقد قلنا مرارا : إن تجسد الأعمال هو من أهم القضايا المرتبطة بالمعاد . يجب أن نعلم أن ما هو موجود في ذلك العالم هو انعكاس واسع ومتكامل لهذا العالم ، فأعمالنا وأفكارنا وأساليبنا الاجتماعية وصفاتنا الأخلاقية المختلفة سوف تتجسم وتتجسد أمامنا في ذلك العالم وستبقى قرينة لنا دائما . الآيات - أعلاه - دليل حي على هذه الحقيقة ، فالمترفون الظالمون الذين كانوا يعيشون في هذه الدنيا في ظل سرادق عالية ، وكانوا سكارى بهواهم ، وسعوا إلى فصل كل شئ يخصهم عن المؤمنين الفقراء ، هؤلاء يملكون في ذلك العالم أيضا ( سرادق ) ولكنها من النار الحارقة ، لأن الظلم في حقيقته نار حارقة تحرق الحياة وتذروا آمال المستضعفين المظلومين . هناك يشربون من شراب يجسد باطن شراب الدنيا ، وهو بالنسبة للظالمين الطغاة شراب من دماء قلوب المحرومين ، ومثل هذا الشراب يقدم للظالمين في ذلك العالم ، وهو لا يحرق أمعاءهم وأحشاءهم فحسب ، بل يكون كالمعدن