الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

24

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

منكرو المعاد ، ففي البداية تحكي الآيات على لسان المنكرين استفهامهم : قالوا أإذا كنا عظاما ورفا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا ( 1 ) . يقول هؤلاء : هل يمكن أن تجتمع هذه العظام المتلاشية الداثرة المتناثرة في كل مكان ؟ وهل يمكن أن تعاد لها الحياة مرة أخرى ؟ ! . ثم أين هذه العظام النخرة المتناثرة في كل حدب وصوب من هذا الإنسان الحي القوي العاقل ؟ إن التعبير القرآني في هذه الآية الكريمة يدلل على أن الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كان يبين في دعوته ( المعاد الجسماني ) بعد موت الإنسان ، إذ لو كان الكلام عن معاد الروح فقط ، لم يكن ثمة سبب لإيراد مثل هذه الإشكالات من قبل المعارضيين والمنكرين . القرآن في إجابته على هؤلاء يبين أن قضية بعث عظام الإنسان سهلة وممكنة ، بل وأكثر من ذلك ، فحتى لو كنتم حجارة أو حديدا : قل كونوا حجارة أو حديدا وحتى لو كنتم أشد من الحجر والحديد وأبعد منهما من الحياة : أو خلقا مما يكبر في صدوركم فإن البعث سيكون مصيركم . من الواضح أن العظام بعد أن تندثر وتتلاشى تتحول إلى تراب ، والتراب فيه دائما آثار الحياة ، إذ النباتات تنمو في التربة ، والأحياء تنمو في التراب ، وأصل خلقه الإنسان هي من التراب ، وهذا كلام مختصر على أن التراب هو أساس الحياة . أما الحجارة أو الحديد أو ما هو أكبر منهما تحدى به القرآن منكري المعاد ، فإن كل هذه أمور بينها وبين الحياة بون شاسع ، إذ لا يمكن للنبات مثلا أن ينبت في الحديد أو الضحور أما القرآن فيبين أن لا فرق عند الخالق جل وعلا ، من أي مادة كنتم ، إذ أن عودتكم إلى الحياة بعد الموت تبقى ممكنة ، بل وهي المصير الذي لابد وأن تنتهون إليه .

--> 1 - " رفات " على وزن " كرات " وهو معنى يطلق على كل شئ قديم ومتلاش .