الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

210

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

فإن ( شطط ) تقال للكلام البعيد عن الحق ، ويقال لحواشي وضفاف الأنهار الكبيرة ( شط ) لكونها بعيدة عن الماء ، وكونها ذات جدران مرتفعة . وفي الواقع ، إن هؤلاء الفتية المؤمنين ذكروا دليلا واضحا لإثبات التوحيد ونفي الآلهة . وهو قولهم : إننا نرى وبوضوح أن لهذه السماوات والأرض خالقا واحدا ، وأن نظام الخلق دليل على وجوده ، وما نحن إلا جزء من هذا الوجود ، لذا فإن ربنا هو نفسه رب السماوات والأرض . ثم ذكروا دليلا آخر وهو : هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة . فهل يمكن الاعتقاد بشئ بدون دليل وبرهان ؟ : لولا يأتون عليهم بسلطان بين . وهل يمكن أن يكون الظن أو التقليد الأعمى دليلا على مثل هذا الاعتقاد ؟ ما هذا الظلم الفاحش والانحراف الكبير : فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا . وهذا الافتراء هو ظلم للنفس ، لأن الإنسان يستسلم حينئذ لأسباب السقوط والشقاء ، وهو أيضا ظلم بحق المجتمع الذي تسري فيه هذه الانحرافات ، وأخيرا هو ظلم لله وتعرض لمقامه العظيم سبحانه وتعالى . هؤلاء الفتية الموحدون قاموا بما يستطيعون لإزالة صدأ الشرك عن قلوب الناس ، وزرع غرسة التوحيد في مكانها ، إلا أن ضجة عبادة الأصنام في ذلك المحيط الفاسد ، وظلم الحاكم الجبار كانتا من الشدة بحيث حبستا أنفاس عبادة الله في صدورهم وانكمشت همهمات التوحيد في حناجرهم . وهكذا اضطروا للهجرة لانقاذ أنفسهم والحصول على محيط أكثر استعدادا وقد تشاوروا فيما بينهم عن المكان الذي سيذهبون إليه ثم كان قرارهم : وإذا اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف . حتى : ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا . " يهيئ " مشتقة من " تهيئة " بمعنى الإعداد .