الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
171
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
لذا كيف يمكن لكتاب يتحدث عن حوادث ( 23 ) سنة متزامنا لها أن ينزل في يوم واحد ؟ هل يمكن جمع حوادث ( 23 ) سنة نفسها في يوم واحد ، حتى ينزل القرآن في يوم واحد ؟ إن في القرآن آيات تتعلق بالغزوات الإسلامية ، وآيات تختص بالمنافقين ، وأخرى ترتبط بالوفود التي كانت تفد على رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) . فهل يمكن أن يكتب مجموع كل ذلك منذ اليوم الأول ؟ ثانيا : ليس القرآن كتابا ذا طابع تعليمي وحسب ، بل ينبغي لكل آية فيه أن تنفذ بعد نزولها ، فإذا كان القرآن قد نزل مرة واحدة ، فينبغي أن يتم العمل به مرة واحدة أيضا ، ونعلم بأن هذا محال ، لأن إصلاح مجتمع ملئ بالفساد لا يتم في يوم واحد ، إذ لا يمكن إرسال الطفل الأمي دفعة واحدة من الصف الأول إلى الصفوف المتقدمة في الجامعة في يوم واحد . لهذا السبب نزل القرآن نجوما - أي بشكل تدريجي - كي ينفذ بشكل جيد ويستوعبه الجميع وكي يكون للمجتمع قابلية قبوله واستيعابه وتمثله عمليا . ثالثا : بدون شك ، إن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كقائد هذه النهضة العظيمة سيكون ذا قدرات وإمكانيات أكبر عندما يقوم بتطبيق القرآن جزءا جزءا ، بدلا من تنفيذه دفعة واحدة . صحيح أنه مرسل من الخالق وذو عقل واستعداد كبيرين ليس لهما مثيل ، إلا أنه برغم ذلك فإن تقبل الناس للقرآن وتنفيذ تعاليمه بصورة تدريجية سيكون أكمل وأفضل مما لو نزل دفعة واحدة . رابعا : النزول التدريجي يعني الارتباط الدائمي للرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) مع مصدر الوحي ، إلا أن النزول الدفعي يتم بمرحلة واحدة لا يتسنى للرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الارتباط بمصدر الوحي لأكثر من مرة واحدة . آخر الآية ( 32 ) من سورة الفرقان تقول : كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه