الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
161
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
وهذه الآيات - التي نبحثها - في الحقيقة تقف على نماذج للأمم السابقة ممن شاهدوا أنواع المعاجز والأعمال غير العادية ، إلا أنهم استمروا في الإنكار وعدم الإيمان . في البدء يقول تعالى : ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات . سنشير في نهاية هذا البحث إلى هذه الآيات التسع وماهيتها . ولأجل التأكيد على الموضوع اسأل - والخطاب موجه إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) - بني إسرائيل ( اليهود ) أمام قومك المعارضين والمنكرين : فاسأل بني إسرائيل إذ جاءهم . إلا أن الطاغية الجبار فرعون - برغم الآيات - لم يستسلم للحق ، بل أكثر من ذلك اتهم موسى فقال له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحورا . وفي بيان معنى " مسحور " ذكر المفسرون تفسيرين ، فالبعض قالوا : إنها تعني الساحر بشهادة آيات قرآنية أخرى ، تقول بأن فرعون وقومه اتهموا موسى بالساحر ، ومثل هذا الاستخدام وارد وله نظائر في اللغة العربية ، حيث يكون اسم المفعول بمعنى الفاعل ، كما في ( مشؤوم ) التي يمكن أن تأتي بمعنى " شائم " و ( ميمون ) بمعنى " يا من " . ولكن قسم آخر من المفسرين أبقى كلمة " مسحور " بمعناها المفعولي والتي تعني الشخص الذي أثر فيه الساحر ، كما يستفاد من الآية ( 39 ) من سورة الذاريات التي نسبت السحر إليه ، والجنون أيضا ، فتولى بركنه وقال ساحر أو مجنون . على أي حال ، فإن التعبير القرآني يكشف عن الأسلوب الدعائي التحريضي الذي يستخدمه المستكبرون ويتهمون فيه الرجال الإلهيين بسبب حركتهم الإصلاحية الربانية ضد الفساد والظلم ، إذ يصف الظالمون والطغاة معجزاتهم بالسحر أو ينعتونهم بالجنون كي يؤثروا من هذا الطريق في قلوب الناس