الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

66

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

المريض ويوغل قدمه في وحل الإصرار على الإثم والسير المتخبط في جادة العناد ، فنسي أو تناسى ما للتوبة والاستغفار من أثر إيجابي ، حتى دعته الحال لأن يشارك كل الظلمة والمذنبين من بني آدم في جرائمهم وذنوبهم بوسوسته لهم . . وبات عليه أن يتحمل نصيبه من عذاب الجميع يوم الفزع الأكبر . وليس إبليس فحسب ، بل إن التأريخ يحدثنا عن أصحاب النفوس المريضة ممن ركبهم الغرور والكبر فعاثوا في الأرض فسادا بعد أن غطت العصبية رؤاهم ، وحجب الجهل بصيرتهم ، وسلكوا طريق الظلم والاستبداد وسادوا على الرقاب بكل جنون فهبطوا إلى أدنى درجات الرذيلة والانحراف عن الطريق القويم . إن هاتين السمتين الأخلاقيتين ( التكبر والغرور ) في الواقع . . نار رهيبة محرقة . فكما أن من صرف وطرا من عمره في بناء وتأثيث دار ، لربما في لحظات معدودات يتحول إلى هباء منثور بسبب شرارة صغيرة . . فالتكبر والغرور يفعل فعل النار في الحطب ولا تنفع معه تلك السنين المعمورة بالطاعة والبناء . فأي درس أنطق من قصة إبليس وأبلغ ؟ ! إن إبليس قد اختلطت عليه معاني الأشياء فراح يضع المعاني حسب تصوراته الخادعة المحدودة ولم يدرك أن النار ليست أفضل وأشرف من التراب ، والتراب مصدر جميع البركات كالنباتات والحيوانات والمعادن وهو محل حفظ المياه ، وبعبارة أشمل هو منبع وأصل كل الكائنات الحية ، وما عمل النار إلا الإحراق وكثيرا ما تكون مخربة ومهلكة . ويصف أمير المؤمنين ( عليه السلام ) إبليس بأنه " عدو لله ، إمام المتعصبين وسلف المستكبرين " ثم يقول : " ألا ترون كيف صغره الله بتكبره ووضعه بترفعه ، فجعله في الدنيا مدحورا وأعد له في الآخرة سعيرا " ( 1 ) .

--> 1 - نهج البلاغة ، من الخطبة 192 .