الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
342
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
بها ، وتغلق أبواب روحه من تقبل أية حقيقة ، فيخسر الحس التشخيصي والقدرة على التمييز ، والتي تعتبر من النعم الإلهي العالية . " الطبع " هنا : بمعنى " الختم " ، وهو إشارة إلى حالة الإحكام المطلق ، فلو أراد شخص مثلا أن يغلق صندوقا معينا بشكل محكم كي لا تصل إليه الأيدي فإنه يقوم بربطه بالحبال وغيرها ، ومن ثم يقوم بوضع ختم من الشمع على باب الصندوق للاطمئنان من عبث العابثين . ثم تعرض الآية التالية عاقبة أمرهم ، فتقول : لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون . وهل هناك من هو أتعس حالا من هذا الإنسان الذي خسر جميع طاقاته وامكاناته لنيل السعادة الدائمة باتباعه هوى النفس . وبعد ذكر الفئتين السابقتين ، أي الذين يتلفظون بكلمات الكفر وقلوبهم ملأى بالإيمان ، والذين ينقلبون إلى الكفر مرة أخرى بكامل اختيارهم ورغبتهم ، فبعد ذلك تتطرق الآية التالية إلى فئة ثالثة وهم البسطاء المخدوعون في دينهم ، فتقول : ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم ( 1 ) . فالآية دليل واضح على قبول توبة المرتد ، ولكن الآية تشير إلى من كان مشركا في البداية ثم أسلم ، فعليه يكون المقصود به هو ( المرتد الملي ) وليس ( المرتد الفطري ) ( 2 ) . وتأتي الآية الأخيرة لتقدم تذكيرا عاما بقولها : يوم تأتي كل نفس تجادل
--> 1 - ضمير " بعدها " - وكما يقول كثير من المفسرين - يعود إلى " الفتنة " ، في حين ذهب البعض من المفسرين إلى أنه يعود إلى الهجرة والجهاد والصبر المذكورة سابقا . 2 - المرتد الفطري : هو الذي يولد من أبوين مسلمين ثم يرتد عن الإسلام بعد قبوله إياه ، والمرتد الملي : يطلق على من انعقدت نطفته من أبوين غير مسلمين ثم قبل الإسلام ، وارتد عنه بعد ذلك .