الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
315
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
2 التفسير 3 ثمن الحياة الطيبة : جاءت الآية الأولى من هذه الآيات لتؤكد على قبح نقض العهد مرة أخرى ولتبين عذرا آخرا من أعذار نقض العهد الواهية ، فحيث تطرقت الآيات السابقة إلى عذر الخوف من كثرة الأعداء تأتي هذه الآية لتطرح ما للمصلحة الشخصية ( المادية ) من أثر سلبي على حياة الإنسان . ولهذا تقول : ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا . أي إن قيمة الوفاء بعهد الله لا تدانيها قيمة ، ولو استلمتم زمام ملك الدنيا بأسرها فإنه لا يساوي قيمة لحظة واحدة من الوفاء بعهد الله . وتضيف الآية المباركة للدلالة على هذا الأمر : إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون . ويبين القرآن في الآية التالية سبب الأفضلية بقوله : ما عندكم ينفد وما عند الله باق لأن المنافع المادية وإن بدت كبيرة في الظاهر ، إلا أنها لا تعدو أن تكون فقاعات على سطح ماء ، في حين أن الجزاء والثواب الإلهي النابع من ذات الله المطلقة والمقدسة أعلى وأفضل من كل شئ . ثم يضيف قائلا : ولنجزين الذين صبروا أجرهم - وعلى الأخص في الثبات على العهد والأيمان - بأحسن ما كانوا يعملون . إن التعبير ب " أحسن " دليل على أن أعمالهم الحسنة ليست بدرجة واحدة ، فبعضها حسن والبعض الآخر أحسن ، ولكن الله تعالى يجزي الجميع بأحسن ما كانوا يعملون ، وهو ذروة اللطف والرحمة الربانية ، كما لو مثلنا لذلك في مثل من حياتنا كأن يعرض بائع أنواعا من البضائع المتفاوتة في النوعية ، فقسم منها بضائع جيدة ، وقسم آخر بضائع رديئة ، والبقية بين الاثنين ، فيأتي مشتري ليأخذ الجميع بسعر النوعية الجيدة !