الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
289
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
اعترافهم بالنعم الإلهية ، يتطرق في هذه الآيات إلى جانب من العقاب الإلهي الشديد الذي ينتظر أولئك في عالم الآخرة ، لينبه الغافل من سباته ، فعسى أن يعيد النظر في مواقفه المنحرفة قبل فوات الأوان ، فيقول أولا : ويوم نبعث من كل أمة شهيدا ( 1 ) . وهل ثمة حاجة إلى شاهد مع وجود علم الله المطلق ؟ قد يتبادر إلى الأذهان هذا السؤال عند قراءة الآية ، وتتضح الإجابة على ذلك من خلال التدقيق في الملاحظة التالية : إن الأمور غالبا ما يقصد فيها الجانب النفسي والروحي ، والإنسان كلما أيقن بوجود الشهود والمراقبين عليه من قبل الله سبحانه ازداد في محاسبة نفسه ، وأقل ما يمكن أن يذكر بهذا الصدد ما سيصيبه من خجل يوم مواجهتهم مع ما اقترفت يداه . وبخصوص تلك المحكمة ، تأتي الآية لتقول : ثم لا يؤذن للذين كفروا . وهل من الممكن أن لا يأذن الله للمجرمين في الدفاع عن أنفسهم ؟ نعم ، وذلك لعدم الحاجة للسان في ذلك اليوم العظيم ، لأن الجوارح من رجل وأذن وعين وكذلك الجلد ، بل وحتى الأرض التي أطاع الإنسان عليها أو عصى ، كلها ستشهد عليه ، ويمكن استفادة هذا المعنى من آيات قرآنية أخرى كالآية ( 65 ) من سورة يس والآية ( 36 ) من سورة المرسلات . بل ويزاد على عدم السماح لهم بالكلام ب ولا هم يستعتبون ( 2 ) . لأن هناك محل مواجهة نتائج الأعمال وليس يوم العمل والإصلاح ، وهم حينها كالثمرة المقطوفة التي انتهى زمن نموها .
--> 1 - أل " يوم " هنا ظرف متعلق بفعل مقدر ، وأصل العبارة : ( وليذكروا ) أو ( واذكروا ) . 2 - يستعتبون : من الاستعتاب ، وهي في الأصل من ( العتاب ) وهو التحدث بلهجة شديدة ولوم ، فيكون مفهوم الاستعتاب ، : أن يطلب المذنب من صاحب الحق عقابه فيصبح سببا لسكون غضبه وحصول رضاه ، ولهذا اعتبر البعض ، أن الاستعتاب بمعنى الاسترضاء . . في حين أن حقيقة مفهومه ليس الاسترضاء وإنما هو لازم له .