الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

282

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا . " الأكنان " : جمع ( كن ) بمعنى وسائل التغطية والحفظ ، ولهذا فقد أطلقت على المغارات وأماكن الاختفاء وفي الجبال . ونرى إطلاق كلمة " الظلال " في الآية لتشمل كل الظلال ، سواء كانت ظلال الأشجار أو المغارات الجبلية أو ظل أي شئ آخر ، باعتبارها إحدى النعم الإلهية ( وحقيقة الأمر كذلك ) ، فكما يحتاج الإنسان إلى النور في حياته فكثيرا ما يحتاج إلى الظل كذلك ، لأن النور إذا ما استمر في اشراقه فسوف تكون الحياة مستحيلة ، ويكفينا أن نلمس ما لظل الكرة الأرضية ( والمسمى بالليل ) على حياتنا ، وكذلك دور الظلال الأخرى خلال النهار في مختلف الأمكنة والحالات . وكأن ذكر نعمة " الظلال " و " أكنان الجبال " بعد ذكر نعمة " المسكن " و " الخيام " في الآية السابقة ، للإشارة إلى : أن طوائف الناس لا تخرج عن إحدى ثلاثة . . واحدة تعيش في المدن والقرى وتستفيد من بناء البيوت لسكناها ، وأخرى تعيش الترحال والتنقل فتحمل معها الخيام ، وثالثة أولئك الذين يسافرون وليس معهم مستلزمات المأوى . . ولم يترك الباري جل شأنه المجموعة الثالثة تعيش حالة الحيرة من أمرها ، بل في طريقهم الظلال والمغارات لتقيهم . وقد لا يدرك سكنة المدن ما لوجود المغارات الجبلية من أهمية ، ولكن عابري الصحاري والمسافرين العزل والرعاة وكل من حرم من نعمة البيوت الثابتة أو السيارة ( مؤقتا أو دائما ) عندما يكونون تحت سطوة حرارة الصيف اللاهبة أو تحت وطأة زمهرير الشتاء القارص ، سيعرفون عندها أهمية تلك المغارات ، وخصوصا كونها باردة في الصيف ودافئة في الشتاء ، وهي ملاذ ينجي من موت قريب - في بعض الأحيان - للإنسان أو الحيوانات . وبعد ذكر القرآن الكريم لنعمة الظلال الطبيعية والصناعية ، ينتقل لذكر ملابس الإنسان فيقول : وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر ، وثمة ألبسة أخرى