الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

252

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

فيبتدأ القول ب‍ والله خلقكم ثم يتوفاكم . فمنه الممات كما كانت الحياة منه ، ولتعلموا بأنكم لستم خالقين لأي من الطرفين ( الحياة والموت ) . ومقدار عمركم ليس باختياركم أيضا ، فمنكم من يموت في شبابه أو في كهولته ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ( 1 ) . ونتيجة هذا العمر الموغل في سني الحياة لكي لا يعلم بعد علم شيئا ( 2 ) . فيكون كما كان في مرحلة الطفولة من الغفلة والنسيان وعدم الفهم . . نعم ف‍ إن الله عليم قدير فكل القدرات بيده جل وعلا ، وعطاؤه بما يوافق الحكمة والمصلحة ، وكذا أخذه لا يكون إلا عندما يلزم ذلك . ويواصل القرآن الكريم استدلاله في الآية التالية من خلال بيان أن مسألة الرزق ليست بيد الإنسان وإنما . . والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فأصحاب الثروة والطول غير مستعدين لإعطاء عبيدهم منها ومشاركتهم فيها خوفا أن يكونوا معهم على قدم المساواة : فما الذين فضلوا بردي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء . واحتمل بعض المفسرين أن الآية تشير إلى بعض أعمال المشركين الناتجة عن حماقتهم ، حينما كانوا يجعلون لآلهتهم من الأصنام سهما من مواشيهم ومحاصيلهم الزراعية ، بالرغم من عدم وجود أي أثر لتلك الأحجار والأخشاب

--> 1 - " أرذل " : من ( رذل ) بمعنى الحقارة وعدم المرغوبية ، والمقصود من " أرذل العمر " : السنين المتقدمة جدا من عمر الإنسان حيث الضعف والنسيان ، ولا يستطيع تأمين احتياجاته الأولية ، ولهذا سماها القرآن بأرذل العمر ، وقد اعتبر بعض المفسرين أنها تبدأ من عمر ( 75 ) عاما ، وبعض آخر من ( 90 ) وآخرون اعتبروها من ( 95 ) . . والحق أنها لا تحدد بعمر ، وإنما تختلف من شخص لآخر . 2 - عبارة لكي لا يعلم بعد علم شيئا يمكن أن تكون غاية ونتيجة للسنين المتقدمة من حياة الإنسان ، فيكون مفهومها أن دماغ الإنسان وأعصابه في هذه السنين تفقد القدرة على التركيز والحفظ فيسيطر على الإنسان النسيان والغفلة . ويمكن أن يكون معناها العلة ، أي أن الله تعالى يوصل الإنسان إلى هذا العمر لكي يصاب بالنسيان ، فيفهم الناس بأنهم لا يملكون شيئا من أنفسهم .