الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
229
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
واحتمل بعض المفسرين أيضا أن " الحسنى " تعني نعمة الأولاد الذكور ، لأنهم يعتبرون البنات سوءا وشرا ، والبنين نعمة وحسنى . إلا أن التفسير الأول يبدو أكثر صوابا ، ولهذا يقول القرآن ، وبلا فاصلة : لاجرم أن لهم النار ، أي : أنهم ليسوا فاقدين لحسن العاقبة فقط ، بل و " لهم النار " وإنهم مفرطون أي : من المتقدمين في دخول النار . والمفرط : من فرط ، على وزن ( فقط ) بمعنى التقدم . وربما يراود البعض منا الاستغراب عند سماعة لقصة عرب الجاهلية في وأدهم للبنات ، ويسأل : كيف يصدق أن نسمع عن إنسان ما يدفن فلذة كبده بيده وهي على قيد الحياة ؟ ! . . وكأن الآية التالية تجيب على ذلك : تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم . نعم ، فللشيطان وساوس يتمكن من خلالها أن يصور أقبح الأعمال وأشنعها جميلة في نظر البعض بحيث يعتبرها مجالا للتفاخر ! كما كانوا يعتبرون وأد البنات شرفا وفخرا وحفظا لناموس وكرامة القبيلة ! مما يحدو ببعض المغفلين لأن يتفاخر بالقول : لقد دفنت ابنتي اليوم بيدي كي لا تقع غدا أسيرة في يد الأعداء ! فإن كان الشيطان يزين أقبح الأعمال مثل وأد البنات بنظر بعض الناس بهذه الحال ، فحال بقية الأعمال معلوم . ونرى في يومنا الكثير من أعمال الناس التي سيطر عليها زخرف الشيطان ، فراحوا ينعتون سرقاتهم وجرائمهم بعبارات تبدو مقبولة فيخفون حقيقتها في طي زخرف القول . ثم يضيف القرآن : إن مشركي اليوم على سنة من سبقهم من الماضين من الذين زينوا أعمالهم بزخرف ما أوحى لهم الشيطان فهو وليهم اليوم ، يستفيدون مما يعطيهم إياه .