الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
226
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
والآية الأولى ( 61 ) تجيب بالقول : ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ( 1 ) . " الدابة " : يراد بها كل كائن حي ، ويمكن أن يراد بها هنا ( الإنسان ) خاصة بقرينة ( بظلمهم ) . أي : إن الله لو يؤاخذ الناس على ما ارتكبوه من ظلم لما بقي إنسان على سطح البسيطة . ويحتمل أيضا إرادة جميع الكائنات الحية ، لعلمنا بأن هذه الكائنات إنما خلقت وسخرت للإنسان كما يقول القرآن في الآية ( 29 ) من سورة البقرة : هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ، فعندما يذهب الإنسان فسينتفي سبب وجود الكائنات الأخرى وينقطع نسلها . وهنا يواجهنا السؤال التالي : لو نظرنا إلى سعة مفهوم الآية وعموميتها فإنها تدل في النتيجة على أنه لا يوجد على الأرض إنسان غير ظالم ، فالكل ظالم كل حسب قدره وشأنه ، ولو نزل العذاب الفوري السريع والحال هذه لما بقي إنسان على سطح الأرض . . . مع إننا نعلم أن هناك من لا يصدق عليه هذا المعنى ، فالأنبياء والأئمة المعصومون ( عليهم السلام ) خارجون عن شمولية هذا المعنى ، بل في كل زمان ومكان ثمة من تزيد حسناته على سيئاته من الصالحين المخلصين والمجاهدين ممن لا يستحقون العذاب المهلك أبدا . . والجواب على ذلك أن الآية تبين حكما نوعيا وليس حكما عاما شاملا للجميع ونظير ذلك كثير في الأدب العربي . ومن الشواهد على ذلك : الآية ( 32 ) من سورة فاطر حيث تقول : ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنه سابق
--> 1 - إن ضمير " عليها " يعود إلى " الأرض " وإن لم يرد لها ذكر في الآيات المتقدمة لوضوح الأمر ، ونظائر ذلك كثيرة في لغة العرب .