الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

14

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

للأرض والنبات والحيوان ، فلو زاد عن حد الحاجة إليه ، أصبح عاملا للغرق والهلاك . وهذا الأمل القاتل هو أساس الجهل بالله وعدم معرفة الحق والابتعاد عن الحقيقة ، ويؤدي إلى تقوقع الانسان في دائرته الفردية بما ينسجه الخيال الواسع ويبتعد عن هدف وجود الإنسان على الأرض والمصير الذي يصبو إليه . ويحدثنا أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) عن هذا المضمون بقوله " يا أيها الناس ، إن أخوف ما أخاف عليكم اثنان : اتباع الهوى وطول الأمل ، فأما اتباع الهوى فيصد عن الحق ، وأما طول الأمل فينسي الآخرة " ( 1 ) . حقا ، كم هم أولئك الذين امتازوا بالملكات الفائقة والكفاءات اللائقة ، ولكنهم سقطوا في شباك فخ طول الأمل فتحولوا إلى موجودات ضعيفة ، بل وممسوخة ! وأصبحوا لا يستطيعون تقديم شئ لمجتمعهم ، بل ضيعوا حتى ما ينفع أنفسهم وأثقلوا عما يسمون به إلى التكامل . وهذه الصورة نتلمس ملامحها بجلاء في دعاء كميل : " وحبسني عن نفعي بعد أملي " . بديهي أن الأمل الذي يتجاوز الحد المعقول ، يجعل الإنسان عرضة للانهماك والعجز والاضطراب ، ويصور لصاحبه أن هذه الحال ستوصله إلى السعادة والرفاه ، وما يدري أنه يخطو صوب جرف الشقاء والنكد . وغالبا ما تطوى صفحات هؤلاء بالدمعة الجارية والحسرة لما آل إليه المآل ليكونوا عبرة لكل ذي عين بصيرة وأذن سميعة . * * *

--> 1 - نهج البلاغة ، من الخطبة 42 .