الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

109

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

واعتبر الراغب في مفرداته أن كلمة " المثاني " أطلقت على القرآن لما يتكرر من قراءة آياته ، وهذا التكرار هو الذي يحفظه من التلاعب والتحريف ( إضافة إلى أن حقائق القرآن تتجلى في كل زمان بشكل جديد ينبغي له أن يوصف بالمثاني ) . وعلى أية حال ، فذكر عبارة " القرآن العظيم " بعد ذكر سورة الحمد ، بالرغم من أنها جزء منه ، دليل آخر على شرف وأهمية هذه السورة المباركة ، وكثيرا ما يذكر الجزء مقابل الكل لأهميته ، وهو كثير الاستعمال في الأدب العربي وغيره . وخلاصة المطاف أن الله تعالى قد صرح لنبيه الكريم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بأنك قد ملكت سندا عظيما ( القرآن ) ، ولا تستطيع أي قوة في عالم الوجود أن تصرعه . سندا كله نور ، بركة ، دروس تربوية ، برامج عملية ، هداية وتسديد ، وبالذات سورة الفاتحة منه التي لها من المحتوى والأثر بحيث لو ارتبط العبد بربه ولو للحظة واحدة لحلقت روحه لساحة قدس الرب ، وهي تعيش حال التعظيم والتسليم والمناجاة والدعاء . وبعد هذه الهبة العظيمة يأمر الله تعالى نبيه الكريم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بأربعة أوامر فيقول له أولا : لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ( 1 ) . فمتع الحياة الدنيا ليست دائمة ولا خالية من التبعات ، والحفاظ عليها أمر صعب في أحسن الحالات . ولهذا ، لا تستحق الاهتمام بها مقابل ما أعطاك الله عز وجل من العطاء المعنوي الجزيل ( أي القرآن ) . ثم يقول في الأمر الثاني : ولا تحزن عليهم لما عندهم من أموال ونعم مادية . فالأمر الأول في الحقيقة يتعلق بعدم الاهتمام والتوجه نحو النعم المادية ،

--> 1 - أزواجا : مفعول ( متعنا ) . ومنهم : جار ومجرور متعلق بفعل مقدر . فيكون المعنى إجمالا : مجموعات مختلفة من الكفار .