مؤسسة آل البيت ( ع )
269
مجلة تراثنا
بهذا خفض النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من غلوائهم ( 1 ) ، وزجر أحناء طيرهم ( 2 ) ، ولو بادههم ( 3 ) بالأمر دفعة واحدة لما أمن من معرتهم ( 4 ) ، فكأنه خدر بهذا الأسلوب أعصابهم ، فتدرجوا معه بالقبول شيئا فشيئا ، حتى كان يوم الغدير ، فأعلن الأمر لتلك الجماهير ، وما كان ليعلنه لولا أن الله أمره بذلك ، وضمن له العصمة من أذاهم بقوله عز من قائل : * ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ) * ( 5 ) . فجمع ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بحكمته البالغة بين تعيين الإمام ، وحفظ الأمن والنظام ، وما كان المعارضون يحسبون أن يقف موقفه يوم الغدير أبدا . فلما وقف هذا الموقف وأدى فيه عن الله ما أدى ، رأوا أن معارضته - في آخر حياته وقد بخعت ( 6 ) العرب لطاعته - لا تجديهم نفعا ، بل تجر عليهم الويلات ، لأنها توجب إما سقوطهم بالخصوص ، أو سقوط الإسلام والعرب عامة ، فيفوتهم الغرض الذي كانوا يأملون ، والمنصب الذي كانوا له
--> ( 1 ) الغلواء ، غلواء كل شئ أوله وشرته ، انظر : لسان العرب 10 / 114 مادة " غلا " . ( 2 ) زجر أحناء طيرهم : أي زجر نواحيهم يمينا وشمالا وأماما وخلفا ، ويراد بالطير : الخفة والطيش . انظر : لسان العرب 3 / 373 مادة " حنا " . ( 3 ) بدهه وبادهه بالأمر : فاجأه بالأمر وباغته به ، انظر : لسان العرب 1 / 347 مادة " بده " . ( 4 ) المعرة : الأذى ، انظر : لسان العرب 13 / 140 مادة " معر " . ( 5 ) سورة المائدة 5 : 67 . ( 6 ) بخعت له : تذللت وأطعت وأقررت وخضعت ، انظر : لسان العرب 1 / 332 مادة " بخع " .