مؤسسة آل البيت ( ع )
98
مجلة تراثنا
أحلك الظروف وأشدها فأطلق أسارى فتح مكة قائلا : " اذهبوا فأنتم الطلقاء " ، وقبل منهم - ومن غيرهم - مجرد إظهار الشهادتين ، وعفا - بناء على ذلك - حتى عن قاتل عمه حمزة ، بل مغتاله ، أعني وحشيا الحبشي . ورسم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) - نظرا لتعاليم السماء - منهج الرحمة وحب السلم وكراهة الإكراه ، فقد صدع حين دخل مكة فاتحا منتصرا على ألد خصومه بقوله : " من دخل داره فهو آمن ، ومن ألقى سلاحه فهو آمن " موصيا أصحابه بعدم مقاتلة أحد إلا المقاتلين . هذا ، ناهيك عن أن قبول دخول المخالفين فكريا في ذمة الله ورسوله والمؤمنين نفسه دليل على رفض الإكراه ، والدعوة للسلم والحوار ما وجد إلى ذلك سبيلا . لكن التيار الحاكم بعد النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) نحا منحى آخر في هذا المجال ، فاتخذ أسلوب الإكراه طريقا لإخضاع المخالفين وإرهابهم ، وإن كان الآخرون مسالمين ، لم يسلوا سيفا ولم يعلنوا قتالا ! ! فبعد أن أعلن علي بن أبي طالب أنه صاحب الحق بعد الرسول ، ورفض مبايعة أبي بكر ، واعتزل في بيته ، ومعه العباس والزبير وفاطمة والحسنان و . . معلنا ما يسمى اليوم ب : " الإضراب " السلمي ، بعث أبو بكر عمر بن الخطاب إلى هؤلاء ليخرجهم من بيت فاطمة ، وقال له : إن أبوا فقاتلهم ( 1 ) . وبالفعل ، طبق قانون الإكراه ، إذ أخرج علي بالقوة ، يقاد إلى البيعة كما يقاد الجمل المخشوش ( 2 ) ، وسيق سوقا عنيفا ، وامتلأت شوارع
--> ( 1 ) العقد الفريد 5 / 1 ، تاريخ أبي الفداء 1 / 156 . ( 2 ) صبح الأعشى 1 / 228 ، شرح نهج البلاغة / 407 .