مؤسسة آل البيت ( ع )
84
مجلة تراثنا
ومفاهيمه برفق ولين ، لا أن يغالبهم في النسب ويقلل من شأنهم بما يجعل نفوسهم بعيدة عن قبول الدين الجديد ؟ ! ولهذا التأثير العنيف ، كان من الطبيعي أن تظهر هذه النبرة القديمة في سقيفة بني ساعدة ، فقد طرحت فيها الموازين الموروثة لا الموازين التي جاء بها الإسلام على لسان نبي الرحمة محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ! فقد قال أبو بكر في خطبته يوم السقيفة : أيها الناس ! نحن المهاجرون أول الناس إسلاما ، وأكرمهم أحسابا ، وأوسطهم دارا ، وأحسنهم وجوها ، وأكثر الناس ولادة في العرب ، وأمسهم برسول الله رحما . . . ( 1 ) . فكرم الأحساب ، ووسطية الدار ، وحسن الوجوه ، وكثرة العدد ، كانت من المفردات التي احتج بها للخلافة ، وهذه كلها لا تمت إلى الخلافة والأحقية بها بصلة ! واستمرت هذه الخصلة عند أبي بكر حتى في أيام خلافته ، فجعل يسأل الصبيان الذين أتى بهم خالد بن الوليد من عين التمر عن أنسابهم ، فيخبره كل واحد بمبلغ معرفته ( 2 ) . نحن لسنا بصدد بيان هذه الأمور بقدر ما يعنينا بيان امتداد هذا النهج بعد الخليفة ، وخصوصا في العهد الأموي ، وعناية الخلفاء بالشعر والأنساب مع مخالفتهم لتدوين الحديث والمغازي ! ! إن عناية عرب الجزيرة بالحفظ وترك التدوين كان من جملة الدوافع الرئيسية التي حدت بأبي بكر أن يحرق مدونته ، وبالناس أن يقبلوا بحظره
--> ( 1 ) العقد الفريد 5 / 12 . ( 2 ) الأغاني 4 / 5 .