الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

98

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

لكم إن كنتم مؤمنين ( 1 ) . وحيث نجد في قسم من التعبيرات إطلاق بقية الله على " المهدي الموعود " ( عليه السلام ) فهو إشارة إلى هذا الموضوع أيضا ، لأنه وجود ذو فيض وذخيرة إلهية كبرى ، وهو معد ليطوي بساط الظلم والفساد وليرفع لواء العدل في العالم كله . ومن هنا نعرف الحق الكبير لهؤلاء الرجال الأجلاء الأفذاذ والمكافحين للفساد ، والمصطلح عليهم ب‍ أولوا بقية على المجتمعات البشرية لأنهم رمز لبقاء الأمم وحياتها ونجاتها من الهلاك . المسألة الأخرى التي تستجلب النظر في الآية المتقدمة أنها تقول : وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون . وبملاحظة التفاوت بين كلمتي " مصلح " و " صالح " تتجلى هذه المسألة الدقيقة ، وهي أن الصلاح وحده لا يضمن البقاء ، بل إذا كان المجتمع فاسدا ولكن أفراده يسيرون باتجاه اصلاح الأمور فالمجتمع يكون له حق البقاء والحياة أيضا . فلو انعدم الصالح والمصلح في المجتمع فإن من سنة الخلق أن يحرم ذلك المجتمع حق الحياة ويهلك عاجلا . وبتعبير آخر : متى كان المجتمع ظالما ولكنه مقبل على اصلاح نفسه ، فهذا المجتمع يبقى ، ولكن إذا كان المجتمع ظالما ولم يقبل على نفسه فيصلحها أو يطهرها فإن مصيره إلى الفناء والهلاك . المسألة الدقيقة الأخرى : إن واحدا من أسس الظلم والإجرام - كما تشير إليه الآيات المتقدمة - هو اتباع الهوى وعبادة اللذة وحب الدنيا ، وقد عبر القرآن عن كل ذلك ب‍ " الترف " . فهذا التنعم والتلذذ غير المقيد وغير المشروط أساس الانحرافات في

--> 1 - هود ، 86 .