الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
61
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
الذين كنتم تزعمون * ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين * انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون . فعلى هذا ، من المستحسن أن يجاب على السؤال المتعلق بتناقض ظواهر الآيات حول التكلم بما ذكره كثير من المفسرين ، وهو أن الناس يقطعون في ذلك اليوم مراحل مختلفة . . . وكل مرحلة لها خصوصياتها ، ففي قسم من المراحل لا يسألون أبدا حتى أن أفواههم يختم عليها فلا يتكلمون ، وإنما تنطق أعضاء أجسادهم التي حفظت آثار أعمالها بلغة من دون لسان ، وفي المراحل الأخرى يرفع الختم أو القفل عن أفواههم ويتكلمون بإذن الله فيعترفون بأخطائهم وذنوبهم ويلوم المخطئون بعضهم بعضا ، بل يحاولون أن يلقوا تبعات أوزارهم على غيرهم . ويشار في نهاية الآية إلى تقسيم الناس جميعا إلى طائفتين : طائفة محظوظة ، وأخرى بائسة تعيسة فمنهم شقي وسعيد . و " السعيد " مشتق من مادة " السعادة " ومعناها توفر أسباب النعمة . و " الشقي " مشتق من مادة " الشقاء " ومعناه توفر أسباب البلاء والمحنة . فالسعداء - إذا - هم الصالحون الذين يتمتعون بأنواع النعم في الجنة والأشقياء هم المسيئون الذين هم يتقلبون في أنواع العذاب والعقاب في جهنم . وليس هذا الشقاء - على كل حال - وتلك السعادة سوى نتيجة الأعمال والأقوال والنيات التي سلفت من الإنسان في الدنيا . والعجيب أن بعض المفسرين يتخذون هذه الآية ذريعة لعقيدتهم الباطلة في مجال الجبر ، في حين أن الآية ليس فيها أقل دليل على هذا المعنى ، بل هي تتحدث عن السعداء والأشقياء في يوم القيامة وأنهم وصلوا جميعا بأعمالهم إلى هذه المرحلة ، ولعلهم توهموا هذه النتيجة من هذه الآية بالخلط بينها وبين بعض الأحاديث التي تتكلم عن شقاء الإنسان أو سعادته وهو في بطن أمه قبل الولادة ،