الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
452
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
الاثنين ، أي بين الحروف المقطعة والقرآن ، ولعل هذه العلاقة هي نفسها التي ذكرناها في بداية سورة البقرة ، فالله سبحانه وتعالى يريد أن يوضح من خلال هذا البيان أن هذا الكتاب السماوي العظيم المتعهد لقيادة الإنسانية يتكون من مواد بسيطة تسمى بحروف الألفباء ، وهذه تشير إلى أهمية هذا الإعجاز ، حيث يوجد أصدق بيان من أبسط بيان . وعلى أية حال فبعد ذكر الحروف ( ألف لام راء ) يقول تعالى : كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور . في الواقع إن جميع الأهداف التربوية والإنسانية ، المعنوية والمادية من نزول القرآن قد جمعت في هذه الجملة ( الخروج من الظلمات إلى النور ) أي الخروج من ظلام الجهل إلى نور المعرفة ، ومن ظلام الكفر إلى نور الإيمان ، من ظلم الظالمين إلى نور العدالة ، ومن الفساد إلى الصلاح ، ومن الذنوب إلى الطهارة والتقوى ، ومن التفرقة والنفاق إلى نور الوحدة . ومن الطريف أن " الظلمات " هنا ( كما في بعض السور الأخرى ) جاءت بصيغة الجمع و " النور " بصيغة المفرد ، وهذه إشارة إلى أن كل الحسنات والطيبات والإيمان والتقوى لها حالة واحدة في ظل التوحيد ونوره ، فهي مترابطة ومتحدة فيما بينها ، فتصنع مجتمعا واحدا متحدا وطاهرا من كل جهة . بينما الظلمات تعني التشتت وتفرقة الصفوف ، وحتى الطواغيت والمذنبين والمفسدين والمنحرفين في مسيرتهم الانحرافية نراهم غير متوحدين غالبا ، وفي حالة حرب فيما بينهم . ومن هنا لما كان مصدر كل الخير هي الذات الإلهية المقدسة ، والشرط الأساس لدرك التوحيد هو الالتفات إلى هذه الحقيقة ، فإنه يضيف بلا فاصلة بإذن ربهم .