الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

416

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

الناس جميعا ( 1 ) وهذه إشارة إلى أن الله سبحانه وتعالى يستطيع أن يجبر الناس وحتى المعاندين على أن يؤمنوا ، لأنه القادر على كل شئ ، ولكنه لا يفعل ذلك أبدا ، لأن هذا الإيمان الإجباري لا قيمة له وهو فاقد للمعنى والتكامل الذي يحتاجه الإنسان في حياته . ثم تضيف الآية ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة وهذه مصائب تنزل عليهم بشكل ابتلاءات مختلفة أو على شكل هجوم المسلمين عليهم . وهذه المصائب إن لم تنزل في دارهم فهي أو تحل قريبا من دارهم لكي يعتبروا بها ويرجعوا إلى الله جل وعلا . وهذا الإنذار مستمر حتى يأتي وعد الله . وهذا الوعد الأخير قد يشير إلى الموت ، أو إلى يوم القيامة ، أو على قول البعض إلى فتح مكة التي سحقت آخر معقل للعدو . وعلى أية حال فالوعد الإلهي أكيد : إن الله لا يخلف الميعاد . الآية الأخيرة من هذه المجموعة تخاطب النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فتقول له : لست الوحيد من بين الأنبياء تعرض لطلب المعاجز الإقتراحية والاستهزاء من الكفار ، بل ولقد استهزئ برسل من قبلك . ولكن لم نعاقب هؤلاء الكفار فورا ، بل فأمليت للذين كفروا لكي يستيقظوا ويعودوا إلى طريق الحق ، أو نلقي عليهم الحجة الكافية على الأقل . لأن هؤلاء إذا كانوا مذنبين فإن لطف الله وكرمه وحكمته لا تتأثر بأفعال هؤلاء .

--> 1 - " ييأس " مأخوذة من مادة اليأس ، ولكن يقول جمهور من المفسرين : إنها جاءت هنا بمعنى العلم ، وأما ما يقوله البعض [ طبقا لما نقله الفخر الرازي ] إن " يئست " لا تأتي بمعنى " علمت " إطلاقا ، ويرى الراغب في مفرداته أن اليأس هنا هو نفس معناه ، ولكن يحتاج لتحققه إلى العلم بعدم تحقق الموضوع ، وعلى هذا يكون ثبوت يأسهم يتوقف على علمهم وتكون نتيجته أن اليأس هنا ليس العلم بالوجود ، بل العلم بالعدم ، وهو مخالف لمفهوم الآية ، وعلى ذلك فالحق ما قاله جمهور المفسرين ، وما ذكروه من شواهد في قول العرب على ذلك ، وقد ذكر الفخر الرازي في تفسيره أمثلة من هذه الشواهد [ دققوا النظر ] .