الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
393
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
ومعنى هذه العبارة أنهم لم يكتفوا بالتوبة والاستغفار فقط عند ارتكابهم الذنوب ، بل يدفعونها كذلك بالحسنات على مقدار تلك الذنوب ، حتى يطهروا أنفسهم والمجتمع بماء الحسنات . " يدرأون " مضارع " درأ " على وزن " زرع " بمعنى دفع . ويحتمل في تفسير الآية أنهم لا يقابلون السئ بالسئ ، بل يسعون من خلال إحسانهم للمسيئين أن يجعلوهم يعيدون النظر في مواقفهم ، كما نقرأ في الآية ( 34 ) من سورة فصلت قوله تعالى : ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم . وفي نفس الوقت ليس هناك مانع من أن الآية تشير إلى هذين المعنيين ، كما أشارت إليها الأحاديث الإسلامية . ففي الحديث عن الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال لمعاذ بن جبل : " إذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة تمحها " ( 1 ) . وعن الإمام علي ( عليه السلام ) قال " عاتب أخاك بالإحسان إليه واردد شره بالإنعام عليه " ( 2 ) . ولابد هنا من الالتفات إلى هذه النقطة ، وهي أن هذه الأحكام أخلاقية تخص الحالات التي يحصل فيها تأثير على الآخرين ، وهناك قوانين وأحكام جزائية واردة في التشريع الإسلامي لمعاقبة المسيئين . وبعد ما ذكر القرآن الكريم الصفات الثمانية لأولي الألباب ، أشار في نهاية الآية إلى عاقبة أمرهم حيث يقول تعالى : أولئك لهم عقبى الدار ( 3 ) . الآية الأخرى توضح هذه العاقبة جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم .
--> 1 - مجمع البيان ذيل الآية أعلاه . 2 - الكلمات القصار في نهج البلاغة ، الكلمة 158 . 3 - " العقبى " بمعنى العاقبة أو نهاية العمل خيرا كان أو شرا ، ولكن بالنظر إلى قرينة الحال في الآية أعلاه تشير إلى العاقبة الحسنة .