الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
384
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
ومثله معه لافتدوا به . لا توجد صيغة أوضح من هذه الآية في بيان شدة عذابهم وعقابهم ، يمتلك الإنسان كل ما في الأرض وضعفه أيضا ويفتدي به للنجاة ولا يحصل النجاة . تشير هذه الجملة في الواقع إلى آخر أمنية والتي لا يمكن أن يتصور أكثر منها ، وهي أن يمتلك الإنسان كل ما في الأرض ، ولكن شدة العذاب للظالمين ومخالفي الحق تصل بهم إلى درجة أن يفتدوا بكل هذه الأمنية أو بأكثر منها لنجاتهم . ولنفرض إنها قبلت منهم فتكون نجاتهم من العذاب فقط ، ولكن الثواب العظيم يكون من نصيب الذين استجابوا لدعوة الحق . ومن هنا يتضح أن العبارة ومثله معه ليس المقصود منها أن يكون لهم ضعف ما في الأرض ، بل أنهم مهما ملكوا أكثر من ذلك فإنهم مستعدون للتنازل عنه مقابل نجاتهم من العذاب . ودليله واضح ، لأن الإنسان يطلب كل شئ لمنفعته ، ولكن عندما يجد نفسه غارقا في العذاب فما فائدة تملكه للدنيا كلها ؟ وعلى أثر هذا الشقاء ( عدم قبول ما في الأرض مقابل نجاتهم ) يشير القرآن الكريم إلى شقاء آخر أولئك لهم سوء الحساب . فما هو المقصود من سوء الحساب ؟ للمفسرين آراء مختلفة حيث يعتقد البعض أنه الحساب الدقيق بدون أي عفو أو مسامحة ، فسوء الحساب ليس بمفهوم الظلم ، لأن الله سبحانه وتعالى هو العدل المطلق ، ويؤيد هذا المعنى الحديث الوارد عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) أنه قال لرجل : " يا فلان مالك ولأخيك ؟ " قال : جعلت فداك كان لي عليه حق فاستقصيت منه حقي إلى آخره ، وعنده سماع الإمام لهذا الجواب غضب وجلس ثم قال : " كأنك إذا استقصيت حقك لم تسئ إليه ! أرأيت ما حكى الله عز وجل ويخافون سوء الحساب أتراهم يخافون الله أن يجور عليهم ؟ ! لا والله ما خافوا إلا الاستقصاء