الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

373

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

فسالت أودية بقدرها تتقارب السواقي الصغيرة فيما بينها ، وتتكون الأنهار وتتصل مع بعضها البعض ، فتسيل المياه من سفوح الجبال العظيمة والوديان وتجرف كل ما يقف أمامها ، وفي هذه الأثناء يظهر الزبد وهو ما يرى على وجه الماء كرغوة الصابون من بين أمواج الماء حيث يقول القرآن الكريم : فاحتمل السيل زبدا رابيا . " الرابي " من " الربو " بمعنى العالي أو الطافي ، والربا بمعنى الفائدة مأخوذ من نفس هذا الأصل . وليس ظهور الزبد منحصرا بهطول الأمطار ، بل ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله ( 1 ) أي الفلزات المذابة بالنار لصناعة أدوات الزينة منها أو صناعة الوسائل اللازمة في الحياة . بعد بيان هذا المثال بشكله الواسع لظهور الزبد ليس فقط في الماء بل حتى للفلزات وللمتاع ، يستنتج القرآن الكريم كذلك يضرب الله الحق والباطل ثم يتطرق إلى شرحه فيقول : فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض . فأما الزبد الذي لا فائدة فيه فيذهب جفاء ويصير باطلا متلاشيا ، وأما الماء الصافي النقي المفيد فيمكث في الأرض أو ينفذ إلى الأعماق وتتكون منه العيون والآبار تروي العطاش ، وتروي الأشجار لتثمر ، والأزهار لتتفتح ، وتمنح لكل شئ الحياة . وفي آخر الآية - للمزيد من التأكيد في مطالعة هذه الأمثال - يقول تعالى : كذلك يضرب الله الأمثال . * * *

--> 1 - تشير هذه الآية إلى الأفران التي تستعمل لصهر الفلزات ، فهذه الأفران تتميز بوجود النار من تحتها ومن فوقها يعني نار تحت الفلز ونار فوقه ، وهذه من أفضل أنواع الأفران حيث تحيط بها النار من كل جانب .