الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

338

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا ( 1 ) ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض ( 2 ) وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه ( 3 ) . من مجموع هذه الآيات يمكن أن نستفيد ما يلي : أولا : إن الإنسان أكمل من جميع الموجودات في هذا العالم ، فمن وجهة إسلامية نرى أن الشريعة الإسلامية تعطي للإنسان القيمة الكبيرة بحيث تسخر له كل ما في الكون ، فهو خليفة الله ، وقلبه مستودع نوره ! ثانيا : ويتضح أن التسخير ليس المقصود منه أن جميع هذه الكائنات هي تحت إمرة الإنسان ، بل هي بقدر معين تدخل ضمن منافعه وخدمته ، وعلى سبيل المثال فإن تسخير الكواكب السماوية من أجل أن يستفيد الإنسان من نورها أو لفوائد أخرى . فلا يوجد أي مبدأ يقيم الإنسان بهذا الشكل ، ولا يوجد في أية فلسفة هذا المقام لشخصيته ، فهذه من خصائص المدرسة الإسلامية التي ترفع من قيمة الإنسان بهذا الشكل الكبير ، فالمعرفة بها لها أثر عميق على تربيته ، لأنه حينما يفكر الإنسان بتعظيم الله له ، وتسخير السحاب والهواء والشمس والقمر والنجوم وجعلها في خدمته ، فمثل هذا الإنسان لا تعتريه الغفلة ولا يكون عبدا للشهوات وأسيرا للمال والمقام ، بل يحطم القيود ويتطلع إلى آفاق السماء . كيف يمكن القول : إن الشمس والقمر غير مسخرين للإنسان في الوقت الذي نرى أن في أشعتها نور يضئ حياة الإنسان ويحافظ على دفئه ، ولولا أشعة الشمس لما وجدت أي حركة أو نشاط على الكرة الأرضية ، ومن جهة أخرى فإن جاذبيتها تنظم حركة الأرض حول مدارها ، وتوجد ظاهرة المد والجزر في

--> 1 - النحل ، 14 . 2 - الحج ، 65 . 3 - الجاثية ، 13 .