الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
332
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
بلقاء ربك م توقنون . وتعقيبا للآيات السابقة التي نقلت الإنسان إلى السماء لتريه الآيات الإلهية هناك ، تنقله الآية الثانية من آيات التوحيد إلى كتاب الكون أي الأرض والجبال والأنهار وأنواع الثمار وشروق الشمس وغروبها ، حتى يتفكر في محل استقراره في البداية ماذا كان ؟ وكيف أصبح الآن بهذه الصورة ؟ قوله تعالى : وهو الذي مد الأرض وبسطها بالشكل الذي تتهيأ فيه لحياة الإنسان ونمو النباتات والحيوانات ، وملأ الأودية والمنحدرات الصعبة بالتراب من خلال تفتت الصخور الجبلية ، وجعل الأرض مسطحة وقابلة للسكن ، بعد أن كانت التضاريس مانعة من سكن الإنسان عليها . وقد يحتمل في تفسير هذه الجملة مد الأرض الإشارة إلى ما يقوله علماء الطبيعة من أن الأرض كانت مغطاة بالماء . ثم استقرت المياه في الوديان ظهرت اليابسة ، وبمرور الوقت اتسعت حتى أصبحت على ما نراه اليوم . ثم يشير القرآن الكريم إلى ظهور الجبال وجعل فيها رواسي فهي تلك الجبال التي عبرت عنها في آيات أخرى ب ( الأوتاد ) ولعل ذلك إشارة إلى أنها متشابكة فيما بينها من الأسفل مثلها مثل الدرع الواقي وتغطي سطح الأرض ، فهي تبطل الضغوط الداخلية في الأسفل والضغط الخارجي المتمثل بجاذبية القمر والمد والجزر . وكذلك تقضي على الاضطرابات والزلازل ، وتجعل الأرض مستقرة وساكنة وصالحة لحياة الإنسان . إن ذكر القرآن الكريم الجبال بعد مد الأرض يحتمل أن يكون المراد منه أن الأرض ليست منبسطة بشكل تام بحيث تنعدم فيها المرتفعات ، ففي هذه الصورة لا تستقر فيها الأمطار والمياه ، أو تتحول إلى مستنقعات وتجري فيها السيول وتتعرض للطوفانات الدائمة ، فخلق الجبال لتأمن البشرية من هذين الأمرين . وليست الأرض كلها جبالا ووديانا فتكون غير قابلة للسكن ، بل تحتوي