الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

319

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى . هؤلاء الرسل هم كباقي الناس يعيشون في المدن والقرى ، ويتجولون بين الناس ويشعرون بآلامهم واحتياجاتهم ومشاكلهم . فالوصف هنا ب‍ من أهل القرى بالإضافة إلى ما تشمله القرية في اللغة من معنى المدينة أو الريف في مقابل " البدو " التي تطلق على أهل الصحراء ، فإنها قد تشير إلى أن أنبياء الله لم ينهضوا من بين سكنة الصحراء - كما صرح بذلك بعض المفسرين - لأن سكان البادية يتصفون بالجهل وعدم المعرفة وقلوبهم قاسية ويمتازون بقلة معلوماتهم عن الحياة ومتطلباتها . صحيح أن أكثر سكان أرض الحجاز كانوا من البدو ، ولكن الرسول من أهل مكة التي تعتبر مدينة كبيرة نسبيا ، وصحيح أيضا أن مدينة كنعان لو قيست بأرض مصر التي كان يوسف يحكم فيها لكانت صغيرة وغير مهمة ولذلك كان يعبر عنها بالبدو . ولكن نحن نعلم أن يعقوب وأبناءه لم يكونوا من أهل البادية أبدا ، فهم كانوا يعيشون في هذه المدينة الصغيرة كنعان . ثم يبين القرآن الكريم : إذا ما أراد هؤلاء أن يعلموا عاقبة مخالفتهم لدعوتك التي هي الدعوة إلى الله فإن عليهم أن يسيروا ليروا آثار السابقين : أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم . إن السير والتجوال في الأرض لمشاهدة آثار الماضين وخراب دورهم ومدنهم بسبب العذاب الإلهي ، أفضل درس لهم ، درس حي وملموس للجميع . ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون . لماذا ؟ لأن الدنيا دار مليئة بالمصائب والآلام وغير باقية ، أما الآخرة فدار خالدة وخالية من الآلام والعذاب . حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء .