الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

304

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

إلى يعقوب ، ارتفعت أهازيج في كنعان . فالبيت الذي لم يخلع أهله عنهم ثياب الحزن والأسى لسنين عديدة ، أصبح غارقا في السرور والحبور ، فلم يكتموا رضاهم عن هذه النعم الإلهية أبدا . والآن ينبغي على أهل هذا البيت - وفقا لوصية يوسف - أن يتحركوا ويتجهوا نحو مصر ، وتهيأت مقدمات السفر من جميع النواحي ، وركب يعقوب راحلته وشفتاه رطبتان بذكر الله وتمجيده ، وقد منحه عشق يوسف قوة وعزما إلى درجة وكأنه عاد شابا من جديد . وهذا السفر على خلاف الأسفار السابقة - التي كانت مقرونة لدى إخوة يوسف بالقلق والحزن - كان خاليا من أية شائبة من شوائب الهم والغم . وحتى لو كان السفر بنفسه متعبا ، فهذا التعب لم يكن شيئا ذا بال قبال ما يهدفون إليه في مسيرهم هذا . كانوا يطوون الليالي والأيام ببطء ، لأن الشوق كان يحيل كل دقيقة إلى يوم أو سنة ، ولكن إنتهى كل شئ ولاحت معالم مصر وأبنيتها من بعيد بمزارعها الخضر وأشجارها الباسقة السامقة وعماراتها الجميلة . إلا أن القرآن الكريم - كعادته دائما - حذف هذه المقدمات التي يمكن أن تدرك بأدنى تفكر وتأمل ، فقال في هذا الشأن : فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه . وكلمة " آوى " - كما يقول الراغب في مفرداته - تعني في الأصل انضمام شئ إلى شئ آخر ، وضم يوسف أبويه إليه كناية عن احتضانهما ومعانقتهما . وأخيرا تحققت أحلى سويعات الحياة ليعقوب ، وفي هذا اللقاء والوصال الذي تم بين يعقوب ويوسف بعد سنين من الفراق ، مرت على يعقوب ويوسف لحظات لا يعلم ا الله عواطفها في تلك اللحظات الحلوة ، وأية دموع انسكبت من عينيهما من الفرح .