الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

300

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وهو : كيف يمكن أن يكون هذا النبي العظيم قد أحس بريح قميص يوسف من مسافة قدرها بعضهم بثمانين فرسخا ، وقال بعضهم : من مسافة عشرة أيام ، مع أنه لم يطلع على الحوادث القريبة منه التي مرت على يوسف عندما القي في الجب في أرض كنعان ؟ والجواب على هذا السؤال - مع الالتفات إلى ما ذكرناه آنفا في شأن علم الغيب ، وحدود علم الأنبياء والأئمة - يسير لا غبار عليه ، لأن علمهم بالأمور الغيبية يستند إلى علم الله وإرادته ، وما يشاؤه الله لهم من العلم " أو عدمه " حتى ولو كان ذلك في أقرب نقطة من نقاط العالم . فيمكن تشبيههم من هذا الوجه بالقافلة التي تسير في ليل مظلم في صحراء تغشيها الغيوم وبينا هي على هذه الحال وإذا السماء تومض بالبرق اللامع فتضئ الصحراء إلى منتهى أطرافها ، فترى القافلة بأم أعينها كل شئ أمامها ، إلا أن البرق ينطفئ ثانية ويستوعب الظلام كل مكان فلا يرى أحد شيئا . ولعل الحديث الوارد عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) في شأن علم الإمام ( عليه السلام ) إشارة إلى هذا المعنى ، إذ جاء عنه ( عليه السلام ) أنه قال : " جعل الله بينه وبين الإمام عمودا من نور ، ينظر الله به إلى الإمام ، وينظر الإمام به إليه ، فإذا أراد علم شئ نظر في ذلك النور فعرفه " ( 1 ) . ومع الالتفات إلى هذه الحقيقة ، فلا مجال للتعجب بأن تقتضي مشيئة الله سبحانه - لابتلاء يعقوب وتمحيصه أن لا يعرف يوما شيئا عن الحوادث في كنعان وهي تجري قريبا منه ، وأن يحس برائحة قميص ولده يوسف وهو في

--> 1 - شرح نهج البلاغة ، للخوئي ، ج 5 ، ص 200 .