الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
293
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
وأفتخر به أمام الآخرين ( 1 ) . 3 3 - الشكر على الانتصار : إن الآيات السابقة تعلمنا بجلاء ووضوح درسا من دروس الأخلاق الإسلامية ، وهو أنه بعد الانتصار على العدو وكسر شوكته لابد أن لا ننسى العفو والرحمة ، وأن لا نعامله بقساوة ، فإن إخوة يوسف قد عاملوه أشد المعاملة أشرفت به على نهايته وأوصلته إلى أبواب الموت ، ولو لم تشمله عناية الله سبحانه وتعالى ، لعجز عن الخلاص مما أوقعوه فيه ، هذا إضافة إلى المصائب والآلام التي تحملها أبوه ، لكنهم الآن جميعا واقفون أمام يوسف وهو السيد المطاع وبيده القوة والقدرة ، لكنه عاملهم بلطف وإحسان . كما أنه يفهم من خلال حديثه معهم أنه لم يحقد عليهم قط ، بل الذي يقلقه هو تذكر الإخوة ماضيهم الأسود ويحسوا بالخجل ! ولذا حاول جاهدا أن يريحهم من هذا القلق ويزيح هذا الكابوس عن صدورهم ، بل أكثر من هذا فإنه حاول أن يفهمهم أن لهم عليه فضلا في مجيئهم إلى مصر والتعرف عليهم ، فإنهم كانوا السبب في كشف حقيقته أمام الشعب في هذا البلد ، حيث عرف أهل مصر أن عزيزهم هو سليل بيت النبوة والرسالة وليس عبدا بيع في السوق بدراهم معدودات ، ومن هنا فإن يوسف كان يرى لهم في ذلك فضلا ومنة ! ومن حسن الصدف أننا نرى رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يمتحن بمثل هذه المواقف الحرجة ، فمثلا حينما فتح رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) مكة وأذل المشركين وهزمهم وكسر أصنامهم وداس شوكتهم وكبرياءهم ، جاء رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ( كما رواه ابن عباس ) إلى جوار الكعبة وأخذ بحلقة بابها وكان المشركون قد التجوا إليها هم ينتظرون حكم رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فيهم ، وقال كلمته المشهورة : " الحمد لله الذي صدق وعده
--> 1 - تفسير فخر الرازي ، ج 18 ، ص 206 .