الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

291

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

أما يوسف الذي كانت نفسه تأبى أن يرى إخوته في حال الخجل والندامة - خاصة في هذه اللحظات الحساسة وبعد انتصاره عليهم - أو لعله أراد أن يدفع عن أذهانهم ما قد يتبادر إليها من احتمال أن ينتقم منهم ، فخاطبهم بقوله : قال لا تثريب عليكم اليوم ( 1 ) أي أن العتاب والعقاب مرفوع عنكم اليوم ، اطمئنوا وكونوا مرتاحي الضمير ولا تجعلوا للآلام والمصائب السابقة منفذا إلى نفوسكم ، ثم لكي يبين لهم أنه ليس وحده الذي أسقط حقه وعفا عنهم ، بل إن الله سبحانه وتعالى أيضا عفا عنهم حينما أظهروا الندامة والخجل قال لهم : يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين أي إن الله سبحانه وتعالى قد قبل توبتكم وعفا عنكم لأنه أرحم الراحمين . وهذا دليل على علو قدر يوسف وغاية فضله حيث إنه لم يعف عن سيئات إخوته فحسب ، بل رفض حتى أن يوبخ ويعاتب إخوته - فضلا عن أن يجازيهم ويعاقبهم - إضافة إلى هذا فإنه طمأنهم على أن الله سبحانه وتعالى رحيم غفور وأنه تعالى سوف يعفو عن سيئاتهم ، واستدل لهم على ذلك بأن الله سبحانه وتعالى هو أرحم الراحمين . وهنا تذكر الإخوة مصيبة أخرى قد ألمت بعائلتهم والشاهد الحي على ما اقترفوه في حق أخيهم ألا وهو أبوهم حيث فقد الشيخ الكبير بصره حزنا وفراقا على يوسف ، أما يوسف فإنه قد وجد لهذه المشكلة حلا حيث خاطبهم بقوله : إذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا ثم طلب منهم أن يجمعوا العائلة ويأتوا بهم جميعا وأتوني بأهلكم أجمعين . * * *

--> 1 - " تثريب " أصله من مادة ( ثرب ) وهو شحمة رقيقة تغطي المعدة والأمعاء ، والتثريب بمعنى رفع هذا الغطاء ، ثم بمعنى العتاب والملامة فكان المعاقب قد رفع بعتابه غطاء الذنب عن وجه المذنب ( راجع القاموس ومفردات الراغب وتفسير الرازي وروح المعاني ) .