الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
229
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
ارتكب يوسف خطيئة أو ذنبا ؟ فتيقظ فجأة الوجدان النائم في نفوسهن ، وأجبنه جميعا بكلام واحد - متفق على طهارته وقلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء . أما امرأة العزيز التي كانت حاضرة أيضا ، وكانت تصغي بدقة إلى حديث الملك ونسوة مصر ، فلم تجد في نفسها القدرة على السكوت ، ودون أن تسأل أحست بأن الوقت قد حان لأن تنزه يوسف وأن تعوض عن تبكيت وجدانها وحيائها وذنبها بشهادتها القاطعة في حقه ، وخاصة أنها رأت كرم يوسف المنقطع النظير من خلال رسالته إلى الملك ، إذ لم يعرض فيها بالطعن في شخصيتها وكان كلامه عاما ومغلقا تحت عنوان " نسوة مصر " . فكأنما حدث انفجار في داخلها فجأة وصرخت وقالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين . ثم واصلت امرأة العزيز كلامها ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب لأني عرفت بعد هذه المدة الطويلة وما عندي من التجارب أن الله لا يهدي كيد الخائنين . في الحقيقة ( بناء على أن الجملة المتقدمة لامرأة العزيز كما يقتضيه ظاهر العبارة ) فإنها ومن أجل اعترافها الصريح بنزاهة يوسف وما أخطأته في حقه ، تقيم دليلين : الأول : إن وجدانها ، ويحتمل بقايا علاقتها بيوسف ، لا تسمح لها أن تستر الحق أكثر من هذا ، وأن تخون هذا الشاب الطاهر في غيابه . الثاني : إن من مشاهدة الدروس المليئة بالعبر على مرور الزمن تجلت لها هذه الحقيقة ، وهي أن الله يرعى الصالحين ولا يوفق الخائنين في مرادهم أبدا . وبهذا بدأت الحجب تنقشع عن عينيها قليلا قليلا . . وتلمس حقيقة الحياة ولا سيما في هزيمة عشقها الذي صنع غرورها وشخصيتها الخيالية ، وانفتحت