الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

114

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

3 4 - قصة يوسف قبل الإسلام وبعده لا شك أن قصة يوسف كانت مشهورة ومعروفة بين الناس قبل الإسلام ، لأنها مذكورة في ( 14 ) فصلا من [ سفر التكوين ] في التوراة بين [ الفصل 37 - 50 ] ذكرا مفصلا . وبطبيعة الحال فإن المطالعة الدقيقة في هذه الفصول الأربعة عشر تكشف مدى الاختلاف بين ما جاء في التوراة وما جاء في القرآن . وبالمقارنة بين نص التوراة ونص القرآن نجد أن نص القصة في القرآن في غاية الصدق وتخلو من أي خرافة . وما يقوله القرآن للنبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : وإن كنت من قبله لمن الغافلين يشير إلى قصة يوسف التي عبر عنها بأحسن القصص ، حيث لم يكن النبي مطلعا على حقيقتها الخالصة . ويظهر من التوراة أن يعقوب ( عليه السلام ) لما رأى قميص يوسف ملطخا بالدم قال : هذا قميص ولدي وقد أكله الحيوان المفترس ، فيوسف ممزق الأحشاء ثم خرق يعقوب ثوبه وشد الحزام على ظهره وجلس أياما للبكاء والنواح على يوسف ، وقد عزاه جميع أبنائه ذكورا وإناثا إلا أنه امتنع أن يقبل تعزيتهم وقال : سأدفن في القبر حزنا على ولدي . بيد أن القرآن يبين : إن يعقوب لم يصدق ما قاله أولاده ، ولم يفزع ولم يجزع لمصيبة ولده يوسف ، بل أدى ما عليه من سنة الأنبياء من الصبر والتوكل على الله ، وقال لأبنائه : بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون وإن كان قلبه يحترق على فراق ولده وعيناه تدمعان من أجله حتى ابيضتا وعميتا ، ولكن - وكما يعبر القرآن - لم يقم بأي عمل من قبيل تخريق الثوب والنواح وشد الحزام على ظهره - والذي كان علامة للمصيبة و " العزاء " - وإنما قال : " صبر جميل " وكتم حزنه " فهو كظيم " .